نقطة أخبار العلوم ظاهرة التصحر .. مفهومة وأسبابة

ظاهرة التصحر .. مفهومة وأسبابة

شغل مفهوم التصحر تفكير كثير من المهتمين والمختصين والباحثين كذلك، ومع اتفاق كل هؤلاء على أن التصحر مشكلة ذات أبعاد بيئية متعددة إلا أنهم اختلفوا في تحديد الأسباب الكامنة وراء تلك الظاهرة وتحديد أشكالها ونتائجها.

ولقد جاء في رؤية المملكة العربية السعودية 2030 ومتطلباتها فيما يخص التصحر:

(نحقق استدامة بيئية): يعد حفاظنا على بيئتنا ومقدراتنا الطبيعية من واجبنا دينياً وأخلاقياً وإنسانياً، ومن مسؤولياتنا تجاه الاجيال القادمة، ومن المقومات الأساسية لجودة حياتنا، لذلك سنعمل على الحد من التلوث برفع كفاءة ادارة المخلفات والحد من التلوث بمختلف أنواعه، كما سنقاوم ظاهرة التصحر، وسنعمل على الاستثمار الأمثل لثروتنا المائية عبر الترشيد واستخدام المياه المعالجة والمتجددة وسنؤمن لمشروع متكامل لإعادة تدوير النفايات، وسنعمل على حماية الشواطئ والمحميات والجزر وتهيئتها، بما يمكن الجميع من الاستمتاع بها، وذلك من خلال مشروعات تمولها الصناديق الحكومية والقطاع الخاص.

من مقالاتنا المميزة أيضا:

مفهوم التصحر

  • عرف د. محمد رضوان الخولي الوارد في كتابه الموسوم (التصحر في الوطن العربي) التصحربأنه: (قابلية الصحراء والظروف شبه الصحراوية للامتداد واكتساح أحزمة الاخضرار والخصب وتحويلها إلى أراضي جافة).
  • كما عرف هورن مشينج وزميله

التصحر (بأنه امتداد مكاني للظروف الصحراوية في اتجاه المناطق الرطبة وشبه الرطبة).

– كما عرف مونيك مينغه (التصحر المنكشف بالجفاف نتاج أفعال بشرية يتم بموجبها تجاوز قدرة الأرض على التحمل وينجم عن آليات طبيعية يحرضها الإنسان أو يزيدها حدة، ويظهر بتردي أوضاع النباتات).

وقد أقر تعريف الاتفاقية الدولية لمكافحة التصحر(UNCCD))) .والتي أقرت في عام ١٩٩٦  التصحر بأنه:

(تدهور الأراضي في المناطق القاحلة وشبه القاحلة وشبه الرطبة الجافة نتيجة لعوامل مختلفة من بينها التقلبات المناخية والنشاطات البشرية).

بالرغم أن مصطلح التصحر قد ظهر حديثاً للتداول إلا أن التصحر كظاهرة بيئية أتت منذ أقدم العصور، إذ يشير التاريخ إلى تلك الظاهرة.

كما تشير الحوادث التاريخية المدونة في زمن الخليفة عمر بن الخطاب إلى ظاهرة التصحر التي تفاقمت في الجزيرة العربية حيث سمي العام ( ١٨هـ) بعام الرمادة وهي تسمية تدل على كثرة العواصف الغبارية في ذلك العام فضلاً عن نشاط التعرية الريحية، إذ يشير الطبري بالنص (… فكانت تسفى إذا ريحت تراباً كالرماد)

وأورد الحافظ ابن كثير وغيره تلك التسمية لأسباب:

  • اسوداد الأرض من قلة المطر حتى عاد لونها شبيهاً بالرماد.
  • لأن الريح كانت تسفي تراباً كالرماد.
  • لأن ألوان الناس أضحت مثل الرماد.
  • قله الأمطار لعام كامل.

وقد يكون العام سُمِّي بهذا الاسم لتلك الأسباب المجتمعة.

أسباب التصحر

أولاً: الأسباب الطبيعية للتصحر:

التقلبات المناخية

إذا توالت فترات الجفاف وتزايد الضغط البشري سيؤدي إلى تدهور التربة وتدمير غطائها النباتي وبالتالي يؤدي إلى شيوع الفقر وهجرة السكان وهلاك المواشي.

زحف الكثبان الرملية

الكثبان الرملية تعد مظهراً من مظاهر التصحر فالتعرية الريحية تتسبب في نقل التربة بمختلف الطرق (كالزحف، القفز، التعلق) ومن ثم ترسيبها على شكل كثبان رملية قارية المنشأ مختلفة الأشكال لا تلبث أن تحث الخطى زحفاً باتجاه المناطق الزراعية مسببة في تدهورها، لذلك فعملية الزحف تلك تعد سبباً من أسباب التصحر.

ثانياً: الأسباب البشرية

أسهمت العوامل البشرية بشكل فعال في ظهور التصحر حتى أطلق على المناطق المتصحره ب (صحراء الإنسان).

  • الزراعة الحدية: تنتشر الزراعة الحدية في الأطراف الهامشية للمناطق الجافة اعتماداً على الأمطار الساقطة، والمعروف أن الأمطار المتساقطة في المناطق الجافة وشبه الجافة تتصف بالتذبذب الدوري عن معدلاتها وقد يتسبب هذا التذبذب في حالات عدة بفشل الزراعة في تلك المناطق مما يترك الأراضي عرضة لعناصر المناخ حيث تزداد سطوح التربة تفككاً وتتعرض مادتها العضوية القليلة أصلاً إلى التطاير. ومما زاد الطين بلة استخدام التقنيات غير الملائمة بيئياً للأراضي الجافة.

2-  إجهاد التربة وتغدقها: أن التزايد المضطرد لأعداد السكان وتنامي الطلب العالمي على الغذاء والسعي المتواصل لاستغلال التربة بكثافة عالية أدى بالنتيجة إلى إنهاك التربة وفقدان مغذياتها فضلاً عن تراصها وتدهور بنائها وتغدقها.

3-  الري المفرط: أن عدم المعرفة المسبقة بالمتطلبات المائية لكل محصول زراعي سيؤدي في أغلب الأحوال إلى الري المفرط الذي يؤدي وفي ظل المناخ الجاف وعدم وجود مبازل أو ندرتها أو قلة كفاءتها إلى ترسيب كميات من الأملاح على سطح التربة.

4-  تدني كفاءة قنوات الري: أن كثرة الضائعات المائية سواء عن طريق الرشح أم البثوق في القنوات الإروائية سوف تزيد من مشاكل الترب المروية وتؤدي إلى تملحها، إذ أن أغلب قنوات الري في المناطق الجافة وشبه الجافة وبخاصة في دول العالم الثالث غير مبطنة وتتدنى كفاءة نقلها للمياه فقد أشارت بعض الدراسات أن نسبة ( ٦٠ %) من كمية المياه تضيع قبل أن تصل إلى المزرعة في تلك المناطق.

5- استنزاف موارد المياه: أن الاستخدام المفرط وغير المدروس للموارد المائية وبخاصة المياه الجوفية يؤدي إلى استنزافها وجفاف التربة ومن ثم تدهورها.

6-  الرعي الجائر: يؤدي الرعي الجائر وزيادة الحمولة الرعوية الذي لا يؤمن تناسباً واقعياً بين الوحدات الحيوانية وقدرة الغطاء النباتي على إعالتها إلى تدهور التربة،

7-  الاحتطاب وقطع الأشجار: يقوم السكان بقطع الأشجار والشجيرات للأغراض المختلفة التي من بينها (الطهي والتدفئة وتهيئة الأرض للزراعة) مما يتسبب في إزالة الغطاء النباتي أو التأثير عليه.

8-  استغلال المناطق الصحراوية لأغراض ترفيهية: قد تستخدم المناطق الصحراوية في أيام فصل الربيع لممارسة التنزهه والترفية حيث تشهد المناطق الصحراوية في أيام اعتدال الطقس واخضرارالاراضي وتجوال عدد كبير من الناس الذين ينشدون الراحة والاستجمام بعيداً عن صخب المدينة، تؤدي هذه الحالة إلى التأثير على الغطاء النباتي وإحداث خلل في التوازن البيئي ينجم عنه تعرض تلك المناطق إلى التصحر.

9-  الحركة الواسعة للآليات: تؤدي الحركة الواسعة للآليات خارج الطرق المعبدة في تلك المناطق إلى تدمير الغطاء النباتي وتدهور التربة وتطاير دقائقها.

10-  عدم الاستقرار السياسي: يؤدي عدم الاستقرار السياسي إلى قصور في الرؤى الحكومية في التعاطي مع ظاهرة التصحر ومعالجتها،

ينتج عن ظاهرة التصحر نتائج وخيمة في مختلف المجالات لعل أهمها:

  1. تأثيرات مناخية وبيئية: تتمثل في تدهور الحياه النباتية والحيوانية (بعض فصائل النباتات والحيوانات انقرضت فعلا) وفي تدهور التربة والمراعي وتقلص مساحه الأراضي الزراعية ونقص في الثروة المائية وتدهور نوعيتها وبالأخص ارتفاع نسبة الملوحة فيها. كل ذلك يعود الى الاستخدام غير السليم والجائر لهذه الموارد وفي النهاية يمكن ان يكون تدهور البيئة عاملا رئيسيًا فيتغير المناخ.

٢. تأثرات اقتصادية: يتسبب التصحر بإلحاق خسائر هائلة تثقل كاهل الاقتصاد الوطني للكثير من الدول التي تتفشى فيها الظاهرة وبالرغم من صعوبة حصر تلك الخسائر لتعدد مواردها فقد قدرت الخسائر الناجمة عن الدخل المفقود في عام ١٩٧٧ بحوالي ٣٦ مليار دولار سنوياً إن تدني إنتاجية التربة يؤدي إلى صعوبة في توفير الغذاء للأعداد المتزايدة من السكان وتضطر الدول إلى زيادة اعتمادها على الاستيراد الخارجي لإشباعه حاجات سكانها الغذائية وفقدان بعض فرص التنمية الاقتصادية ويؤدي إلى تعرض السكان إلى هزات واضطرابات اقتصادية واجتماعية عنيفة فضلاً عن ذلك تحمل الدول التي تعاني من الظاهرة مبالغ طائلة تصرف لغرض معالجة الظاهرة وتلمس سبل الحد من انتشارها.

٣. تأثيرات اجتماعية: يؤدي تصحر التربة وتدني إنتاجيتها إلى هجرة السكان وترك العمل الزراعي كونه لا يغطي متطلبات حياتهم حيث يتجه سكان القرى والارياف إلى المدينة إن هجرة السكان ستتسبب بتداعيات اجتماعية أبرزها توتر العلاقات الاجتماعية وتدني كفاءة الخدمات وخاصة الصحية فضلاً عن صعوبات الضبط الأمني داخل أحياء المهاجرين وتدني مستوى السكن وحدوث تغييرات جوهرية في المهن والعادات والتقاليد السائدة.

يعتبر يوم 17 يونيو هو اليوم الذي اعتمدت فيه الجمعية العامة اتفاقية مكافحة التصحر، وهو الاتفاق الدولي الوحيد الملزم قانوناً الذي يربط البيئة والتنمية بالإدارة المستدامة للأراضي. ويتناول على وجه التحديد المناطق القاحلة وشبه القاحلة والجافة شبه الرطبة، المعروفة باسم الأراضي الجافة، ويعمل الأطراف في الاتفاقية وعددهم 195 طرفاً من أجل تحسين الظروف المعيشية للناس في الأراضي الجافة، والحفاظ على إنتاجية الأراضي والتربة واستعادتها، والتخفيف من آثار الجفاف.

ويحتفل العالم كل عام منذ عام 1994 باليوم العالمي لمكافحة التصحر، في الـ 17 من يونيو، وقد أعلنت وكالة الأمم المتحدة المعنِيَّة بمكافحة التصحر في أبريل 2013، ارتفاع عدد الدول التي أصيبت بالتصحر إلى 168 دولة في العالم، بعدما كانت 110 دولة في تسعينيات القرن العشرين، وأصبح يعاني أعراضه القاتلةَ نحوُ مليار شخص؛ حيث يخسر العالم سنويًّا 120 ألف كيلو متر مربع من الأراضي الخصبة، كانت تُنْتِج نحو 20 مليون طن حبوب.