fbpx

مجلة نقطة العلمية

نقطة من بحر العلم

أخبار العلوم

الخيمياء والنانوتكنولوجى

  • بقلم: أ. د. نصرالله محمد دراز
  • أستاذ علم المواد والنانوتكنولوجى
  • [ المركز القومى للبحوث- الدقى – مصر ]

الخيمياء أو الكيمياء أو الصنعة كانت ولازلت علم الحياة فبدونها تفقد الحياة بريقها بل وتتراجع عجلة التقدم الى كهوف الظلام. الخيمياء احتلت صدارة العلوم فحول فلكها تدور نجوم بقية العلوم سواء كانت علمية أو أدبية. فحديث الخيمياء هو الناموس الأعظم فى كون كبير وعظيم. فالخيمياء العضوية أو اللاعضوية اخترقت كل الكائنات الحية والغير الحية، فهذه الصخور والنباتات والتربة والماء والهواء……………الخ، لن تخرج عن كونها مواد كيميائية تراكبت فى تراكيب مختلفة من حيث الطبيعة والسلوك.

الأهداف الرئيسية لقدامى الخيميائيين

كان للخيميائيين القدامى أهداف رئيسية نالت قدرا كبيرا من الشهرة والتوثيق علاوة على أخرى كانت بمثابة الأهداف الفرعية. ولقد تلخصت الأهداف الرئيسية للخيميائيين فيما يلى: (1) تحويل المعادن الرخيصة الى معادن ثمينة كالدهب والفضة، ولقد اطلق على تحويل المعادن الى ذهب علم الكريسوبويا كما أطلق على تحويل المعادن الى فضة علم الخيمياء النباتية أو السباجيريك وبطبيعة الحال كان علم الكريسوبويا أكثر أهمية من علم السباجيريك . (2) تخليق ال”باناكيا” أو إكسير الحياة  أو حجر الفلاسفة أو حجر الحكماء والذي ادُعيت قدرته على منح الحياة الأبدية الخالية من الأمراض. (3) اختراع المادة المذيبة الشاملة.  أهداف كان يغمرها الجانب الروحانى الممتزج بشئ من الخيال الذى عدله ونزع منه جانب الشعوذة والخيال الخيميائيين فى العصور الحديثة ناهيك عن العصور المتقدمة التى جاءت لنا بالنانوتكنولوجى وعلوم الصدارة التى ان تعمقنا فيها لوجدنا أنها شيدت وطورت من خلال الخيمياء الحديثة.

خيمياء الصناعة

صناعة الخيمياء هى تطبيقات لعلم بدأ بفكرة صغيرة وفحص وتمحيص لأدق الأشياء وصولا الى منتج ملموس استفادت منه كافة المخلوقات. فهذه المنتجات البلاستيكية التى غاصت فى بحور حياتنا التطبيقية بدء من أصغر الأشياء الى أعظمها اعتمدت وبشكل جوهرى لايقبل الشك على نواميس الخيمياء. ولا يغيب عن أى عاقل فى أن تقدم الأمم يقاس بمدى تقدمها فى بحور ومحيطات وفضاء وجبال وسهول الخيمياء. ومن صناعة الى صناعة تضع الخيمياء بصمتها التى لايضاهيها أى بصمة فهى بصمة وحيدة وفريدة من نوعها، فصناعة الحديد والصلب وان شئت ان تطلق عليها صناعة التشييد والبناء وما يكمل أركان هذه الصناعة من المواد الأسمنتية والبويات وغيرها ماهى الا صناعة كيميائية بحته. فلا تطور أو تطوير بدون علم الخيمياء لا لشئ غير أن كل العلوم وبلا استثناء مكملة لهذا العلم الشديد الأهمية. فان أردت أن تخترق الفضاء فلا سبيل أمامك غير الغوص فى عالم الخيمياء، وان أردت أن تسخر الأرض بعون الله وقدرته فما عليك الا اتقان علم الخيمياء، وان أردت أن تحكم العالم فما عليك الا التقدم فى علم الخيمياء واحاديثها. فصناعة الخيمياء هى مركز ومصدر كل الصناعات الكبيرة والصغيرة. وفى حقيقة الأمر، نجد أن  الخيميائيين قدموا مساهمات فائقة للصناعات “الكيميائية” الحديثة مثل تكرير العناصر الخام  ٬ وصناعة المعادن والخزف والزجاج ودباغة الجلود وإنتاج البارود والحبر والأصباغ والدهانات ومواد التجميل ٬ وإعداد المستخلصات والمشروبات الروحية الى غير ذلك من الصناعات.

خيمياء الفلسفة

كان لا يعترف بكون الفليسوف فليسوفا بدون اداركه لعلم الخيمياء. وكان هذا العلم حكرا على الفلاسفة دون غيرهم لدرجة أن فنون هذا العلم كانت تعتبر سر الأسرار لدى الفلاسفة. أسس هؤلاء الفلاسفة لهذا العلم لدرجة أنه أرتبط عند العامة بالسحر حيث كان جهدهم الجهيد منصب أساسا على البحث عن حجر الفلاسفة.

هذا الحجر كان عبارة عن مادة أسطورية اعتقدوا أنها عنصٌر أساسي لتحقيق الخلود. فكان ينظر له على  أنه جسٌم يضاعف قدرة الشخص ويحقُق الخلوَد والشباب الدائم لمستخدمه  الا اذا سقط ضحية للحرق أو الغرق  اعتمادا على  أن النار والماء هما العنصران الأهم في صناعة حجر الفلاسفة. ويبدو أن إعداد ما يسمى أكوا فايتا أو مياه الحياة  كان تجربة ذات شعبية بٍين الخيميائيين الأوروبيين. ومن هنا كانت الخيمياء تجربة روحية جاءت بالفلسفة الخيميائية، حيث تم اعتبار المواد الكيميائية العضوية وغير العضوية والهيئات المادية وعمليات المواد الجزيئية ٬ مجرد استعارات للحديث عن المدخلات والهيئات الروحية التي تؤدي في نهاية المطاف إلى الحديث عن التحولات. ومن هذا المنطلق كانت المعاني الحرفية للصيغ والمعادلات الخيميائية صورا عمياء فى ظاهرها٬ً تخبيء وراءها فلسفة روحية باطنة. أستمر هذا المفهوم  حتى  كنيسة القرون الوسطى المسيحية التى حاربته وعاقبت كل من صار فى دربه بتهمة الهرتقة وبالتالى تم محاربة كافة الخيميائين على أساس أنهم ينشرون الشعوذة بين الناس .ولأن علم الخيمياء هو علم الأسرار التى لايعرف شفرتها غير الخيميائى، كانت الرموز الخيميائية ومارافقها من رسوم توضيحية وصور نصية تحتوي على مستويات متعددة من المعاني والمجازات والإشارات إلى أعمال أخرى لا تقل فى غموضها عن ماأحتوى هذه الرموز من ألغاز. ومن هنا كان فك شفرة هذا الغموض يحتاج الى مشقة كبيرة لاكتشاف المعانى الحقيقة والتى كان لايعرفها غير الخيميائى.

خيمياء العرب والمسلمين

 لم يبتعد علماء العرب كثيرا عن نظرائهم من الاسكندارنيين واليونانيين والسريانيين فى اعتقادهم المختلط بالكثير من الأوهام عن الخيمياء والتى أطلقوا عليها الصنعة وبأن جميع المعادن مؤلفة من أربع هى الماء والهواء والتراب والنار وأن اختلاف نسب هذه الأربع يؤدى الى تركيب المعادن المختلفة لذا كانوا يعتقدون تحول الذهب الى فضة والعكس من خلال التغيير فى النسب الأربع السابقة. فنجد العلماء العرب قد أحاطوا كافة أعمالهم  بالسرية التامة ٬ واستعملوا الرموز في الإشارة إلى المعادن فأشاروا إلى الذهب بالشمس ٬ وإلى الفضة بالقمر . ويعتبر خالد بن يزيد بن معاوية أول من اشتغل في علم الصنعة عند العرب ٬ حيث استقدم بعض الرهبان الأقباط المتقنين للغة العربية ٬ كمريانوس وشمعون وغيرهم وكلفهم بنقل علوم الصنعة إلى اللغة العربية عله يتمكن من تحويل المعادن الرخيصة والأقل أهمية إلى ذهب. اضافة الى ذلك زاد العلماء العرب فى ابداعهم الخيميائى فاكتشفوا مواد جديدة ٬ واختبروا الكثير من المواد المختلفة و توصلوا إلى قوانين كثيرة ٬ واستطاعوا أن ينقلوا الخيمياء إلى الكيمياء التجريبية الحديثة على يد علماء مثل أبو بكر محمد بن زكريا الرازي وجابر بن حيان. جابر بن حيان (المعروف أيضًا بالاسم اللاتيني جيبير) عاصر العباسيين الأوائل، الذين حكموا حوالي مئة وخمسون عاما، وكان واحداً من المُؤسسين الرئيسيين لعلم الخيمياء في أوائل العصر الإسلامي. وعن هذا العالم الخيميائى الفذ جاءنا فى حديث ابن خلدون عن الكيمياء أو الخيمياء توضيحا رائعا عن الأثر الكبير الذى تركه جابر بن حيان فى علم الخيمياء حيث قال” إمام المدونين جابر بن حيان حتى إنهم يخصونها به فيسمونها علم جابر و له فيها سبعون رسالة كلها شبيهة بالألغاز».كما قال عنه أبو بكر الرازي في «سر الأسرار» :«إن جابراً من أعلام العرب العباقرة وأول رائد للكيمياء». جابر بن حيان هو الخيميائى الأول الذى زاد الأربعة عناصر المكونة للمعادن ثلاث أخرى ونظرا لعمق فكره الخيميائى ناهيك عن اعماله فى الفلسفة والفلك والرياضيات والموسيقى والطب والسحر والدين، كان محط أنظار العالم فى عصره وفى العصور التالية لهذا العصر. جاءت أعمال جابر الخيميائية لتصف عمليات التقطير والتكلس والإذابة والتبلور وعمليات كيميائية أخرى اُستخدمت بعد ذلك في العالم الإسلامي وفي أوروبا لقرون.

الخيمياء والنانوتكنولوجى

 الخيمياء صارعت الماضى فانتصرت عليه وكان فى انتصارها انتصارا لكافة مناحى الحياة. لم تكتفى الخيمياء بهذا النصر المظفر بل حافظت عليه لأن العبرة ليست بالنجاح والانتصار بل بالمحافظة على هذا الانتصار والاستمرار فيه فاظهرت بعض مافي باطنها من أسرار لتنقلنا الى عالم متقدم ممتلئ بالتكنولوجيا التى غيرت معالم الحياة فاكتشفنا صغائر الأشياء التى جاءت بصفات وخصائص مذهلة وكأنها السحر فكانت الملابس الواقية من الرصاص وتلك المقاومة للبلل والأخرى المقاومة للحريق ناهيك عن صناعة السبائك المقاومة للتآكل والصدأ علاوة على الهياكل الخفيفة الوزن الشديدة الصلابة كالياف الكربون وغيرها. انه حقا حديث الخيمياء أو الكيمياء أو علم الصنعة الذى حوى بداخله الكثير وأفرز أخير لنا سحر النانوتكنولوجى وتطبيقاته فى كل المجالات.

أ. د. نصرالله محمد دراز
أستاذ علم المواد والنانوتكنولوجى، كاتب علمى، المركز القومى للبحوث، مصر