fbpx

هل يعتبر العلماء أشخاصاً أنانيين؟

غالباً ما ترد عبارة أن الباحثين قاموا بتخزين البيانات، مصرين بذلك على رفض مشاركتها مع أياً كان حتى ولو كان هذا الأمر سيساهم في تسريع أحد الابتكارات التي قد تساعد المرضى الذين يكونون في حاجة ماسة لها، لكن هذا الأمر لا ينطبق فقط على مشاركة النتائج، فبمجرد الانتهاء من المشروع ونشر نتائج الدراسة في إحدى المجلات، فإن معظم الأشخاص الذين يكونون من خارج تلك المؤسسات الكبرى التي قامت بنشر الدراسة لا يمكنهم الوصول إلى أي من تلك الأبحاث، وذلك بسبب رسوم الاشتراك التي تكون عادةً باهظة الثمن، وقد أصبح الوضع غير مستساغ منذ أن بدأ تمويل معظم الأبحاث الطبية الحيوية بواسطة الأموال التي تدفع للضرائب، ومع ذلك فإن دافعي الضرائب لديهم قدرة محدودة جداً لرؤية ما الذي نتج عن هذا التمويل، فهل هذا يعني أن مجموعة العلماء التي تتولى البحوث التي تصدر هذه الأيام هم أشخاص أنانيون؟

الجواب ببساطة هو لا، ولكن في الحقيقة فإن الأمر أكثر تعقيداً مما يبدو، فالقصور الذاتي لمؤسسات المجتمعات العلمية الناشئة يفرض على العلماء اتباع معايير اكتناز البيانات، فإذا ما نظرنا إلى الحياة العلمية لأي من الخريجين الحديثي العهد والحاصلين على شهادة الدكتوراه في أحد الفروع العلمية، سنجد أنه لا توجد وظائف شاغرة تستوعب الخريجين جميعاً، ولذلك يضطر معظمهم إلى القبول بوظائف صغيرة في إحدى المختبرات التي يمتلكها أشخاص آخرون، وفي هذه الأثناء يعملون جاهدين على تحسين وضعهم من خلال القيام بأكبر عدد ممكن من المشاريع العلمية، وذلك على أمل أن ينجح أحدها ويتم نشره بأحد المجلات العلمية – نشر البحث بمجلة علمية يعد بمثابة رأس مال علمي-، وبعد أن يقوموا بعدد كاف من الأبحاث، يمكن لهم عندئذ التفكير في تأسيس مختبراتهم الخاص، وعند هذه المرحلة سيواجهون التحدي المتمثل في الحاجة إلى جمع المال للحفاظ على هذا المختبر، وذلك لأن الجامعات لا تغطي مثل هذه المشاريع، ولذلك سيسعون للحصول على منحة، وبما أنه لا يمكن تمويل جميع طلبات المنح التي يتم تقديمها ، لذا فإن سمعة العالم وتاريخه في العمل هو من يحدد الفائز، والجدير بالذكر أن متوسط ​​العمر الذي يفوز فيه العالم بأول منحة له في الولايات المتحدة يتعدى الـ 40 سنة.

عملية النشر والحصول على التمويل اللازم ومن ثم النشر مجدداً، أمر يتكرر باستمرار في حياة العلماء، أما إذا ما استطاع أحد العلماء جمع ما يكفي من المال لدعم مختبره، وإذا ما استطاع نشر ما يكفي من الأبحاث التي تصل ليتم نشرها في مجلات الدرجة الأولى، عندها يمكنه الحصول على فرصة لتولي منصب ما في جامعته، الأمر الذي يوفر نوعاً من الراحة النفسية بالنسبة له.

من هنا نرى أن حياة العلماء قائمة على أمرين أساسيين، وهما الحاجة لنشر الأبحاث والحاجة لإيجاد التمويل اللازم لاستمرار عملهم، وكما ذكرنا سابقاً فإن المجلات ذات السمعة الضعيفة لا تفيد، وبالتالي فإن عليهم أن ينشروا أبحاثهم في مجلات الدرجة الأولى، وهذه المجلات عادةً ما تضع القواعد التي تناسبها، حيث أنها كثيراً ما تحظّر على العلماء إطلاق البيانات قبل نشرها، فإذا ما قام أحد العلماء بتقديم الكثير من التفاصيل عن بحثه في مؤتمر العرض تقديمي، أو تحدث أكثر من اللازم مع الصحفيين، فقد تفقد المجلات الكبرى اهتمامها بنشر بحثه، فالمجلات تريد التفرد، ويفضلون اتخاذ دور الريادة في إطلاق أخبار الأبحاث.

والسؤال المطروح، إذا كان مُبرَرَاً للعلماء أن لا يقدموا معلومات عن البحث قبل نشره لأسباب شرحناها آنفاً، فلماذا يتم الحد من إمكانية الوصول إلى البحث بعد نشره؟

في الواقع، فإن العديد من العلماء يتمنون أن يتم نشر أبحاثهم في المجلات التي تكون فيها إمكانية الوصول مفتوحة، مثل تلك التي تديرها المكتبة العامة للعلوم، والتي تسمح لأي شخص بقراءة محتوياتها دون الحاجة لدفع أي رسوم اشتراك، ولكن هناك أمران يمنعان من حدوث ذلك، أولاً، لكون هذه المصادر ذات الوصول المفتوح حديثة العهد، وبالتالي فإن اللجان التي تقدر أحقية العلماء بالحصول على المنح تميل لاعتبار المصادر ذات الوصول المفتوح ذات قيمة أقل علمياً، ولذلك فإن النوايا الحسنة للعلماء الرامية إلى نشر أبحاثهم في مجلات ذات وصول مفتوح لا تتم مكافأتها بالطريقة التي ستتم بها فيما لو تم نشر هذه الأبحاث في المجلات التقليدية، والسبب الثاني يعود لكون دعم المنشورات ذات الوصول المفتوح ما يزال قيد التطوير، فبعد كل شيء لا بد للمال ان يأتي من مكان ما، إضافةً إلى أن الكثير من الوكالات التي تعمل على نشر الأبحاث العلمية تجعل العلماء يدفعون رسوماً إضافية لجعل أبحاثهم ضمن فئة الوصول المفتوح، وعادة ما يتم تغطية هذه الرسوم من قبل أموال المنح، التي تأتي بدورها من دافعي الضرائب، وبالتالي فإن المال ما يزال يدفع للوصول إلى هذه الأبحاث.

أما خارج نطاق الحياة العلمية، فإن تبادل البيانات يتم بصورة أكثر سهولة ونجاحاً، فالفيزيائيون يتبادلون البيانات بشكل روتيني قبل نشرها، ويتيحون الوصول إلى الإصدارات المبكرة من أبحاثهم حتى قبل أن يتم قبولها من أحد المجلات، وفي مجال العلوم فإن بعض علماء الأحياء بدأوا يتبعون هذه الأساليب، ولكنهم غالباً ما يكون هؤلاء منتمين بالأصل لوكالات لا تحتاج لوجود دورنشر تدعمها، إلّا أن قيام أحد العلماء لوحده بمثل هذا العمل يعد بمثابة انتحار مهني ويهدد بخروجه من مجال العمل.

أخيراً، فإن ما يتطلبه هذا المجال هو حدوث تغير على مستوى الأنظمة، وقد بدأت بالفعل بعض وكالات التمويل بمطالبة الفائزين بالمنحة بضمان أن تصبح منشوراتهم متاحة للجمهور بعد فترة معينة من الزمن، ولكن يجب دعم تلك المتطلبات وجعل الأبحاث سارية المفعول فور نشرها بدلاً من الانتظار لمدة قد تصل إلى ستة أشهر أو حتى لسنة، والأهم من ذلك، يجب على المجتمع العلمي إيجاد وسيلة أفضل لتقييم المجلات بحيث تصبح المنشورات ذات الوصول المفتوح والتي تتيح تبادلاً أكبر للبيانات على مستوى واحد مع المجلات التقليدية، عندها فقط يمكن للعلماء اختبار نشر أبحاثهم من دون القلق حول المخاطرة بحياتهم المهنية، وعندها فقط يمكن لنا أن نعرف حقاً فيما إذا كان العلماء الذين يتولون البحوث التي تصدر هذه الأيام هم أشخاص أنانيين أم لا.

المقالة الأصلية

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *