معادلات الموائع الشهيرة غير المكتملة بعد

11 مايو , 2016

عن الكاتب

مترجمة متخصصة بترجمة المقالات العلمية وأحد أعضاء فريق الترجمة في نقطة، خريجة كلية الآداب والعلوم الإنسانية من جامعة حلب سوريا، اختصاص اللغة الانجليزية.

شاركها

مصدر المقال

المصدر

الرابط المختصر لهذا المقال

https://www.nok6a.net/?p=17272

في عام 1900، قدم عالم الرياضيات الكبير (ديفيد هيلبرت) لائحة تضم 23 من مسألة رياضية مستعصية الحل والتي أشار بأن حلها يمكن أن يحدد شكل الرياضيات خلال القرن العشرين، وقد تحولت هذه اللائحة لتصبح بمثابة خريطة طريق توجه علماء الرياضيات نحو مناطق غير مستكشفة من الكون الرياضي أثناء حلهم لها واحدة تلو الأخرى، ولكن واحدة من تلك المسائل لم تكن كمثيلاتها، حيث أنها كانت تتطلب ربط الكون الرياضي بآخر حقيقي.

تدعى هذه المسألة بالمسألة السادسة، وهي تدعو الباحثين إلى تبسيط حقائق قوانين الفيزياء – أي إعادة بناء هذه الحقائق من مجموعة أساسية من الافتراضات البدائية، أو البديهيات- فمن خلال ذلك يمكن أن يتم كشف التناقضات بين القوانين التي تتطلب بديهيات مختلفة، كما أن اشتقاق مجموعة كاملة من القوانين الفيزيائية من نفس البديهيات ليس من شأنه فقط أن يثبت بأنها لم تكن عبارة عن نظريات عشوائية ومجرد أوصاف غير متماسكة للظواهر المتباينة، ولكن أيضاً ستثبت بأنها تشكل نظريات موحدة، ومتسقة ومحكمة رياضياً بالكامل على أرض الواقع، فتبعاً لـ(مارشال سليمرود)، عالم الرياضيات في جامعة ويسكونسن في ماديسون، فإن هذا يعود في النهاية إلى مسألة التوحيد، التي تسود الفيزياء لهذا اليوم.

على اعتبار أن تبسيط حقائق جميع القوانين الفيزيائية أمر طويل الأمد، لذلك اقترح (هيلبرت) مهمة محددة في هذا السياق، وهي تحديد ما إذا كان كل من الشكل المجهري والعيني للغاز يمكن أن يتم اعتبارهما على أسس معادلة واحدة بديهية، وبالتالي تحديد فيما إذا كانا عبارة عن شكلين مختلفين لنظرية واحدة، ولمحاولة حل هذه المعادلة، قام الخبراء بترجمة (معادلة بولتزمان)، التي تصف جزيئات الغاز على أنها جزيئات مجهرية تجوب في المكان في مجموعة من السرعات، بطريقة رياضية، إلى معادلات (نافيير ستوكس)، التي تصف الغاز بشكل عام باعتباره كيان متدفق بشكل مستمر، ورؤية فيما إذا كانت الجسيمات والصور المتدفقة منها مرتبطة ببعضها بشكل دقيق.

على الرغم من أن هدف (هيلبرت) الفيزيائي الأوسع المتمثل يتبسيط الحقائق الفيزيائية يبقى حبراً على ورق، إلّا أن البحوث التي  أجريت مؤخراً أثمرت عن إجابة غير متوقعة على سؤال الجسيمات المائعة، فبعد عدم القدرة على ترجمة (معادلة بولتزمان) إلى معادلات (نافيير ستوكس) في جميع الحالات، لأن معادلات (نافيير ستوكس) -على الرغم من كونها مفيدة للغاية في نمذجة الطقس والتيارات البحرية، والأنابيب، والسيارات، وأجنحة الطائرات وغيرها من الأنظمة الهيدروديناميكية – كانت لا تزال غير مكتملة بعد، ظهرت أدلة جديدة تشير إلى أن هناك معادلات أكثر قابلية للتطبيق من الديناميكيات المائعة يمكن العثور عليها في نظرية غير معلنة وغير معروفة نسبياً وُضعت من قبل عالم الرياضيات الهولندي والفيزيائي (ديديريك كورتويج) في أوائل التسعينيات، ولكن حتى معادلات (كورتويج) لا يمكن تطبيقها على بعض الغازات، حيث أن هناك بعضها لا يمتلك خاصية الميوعة على الإطلاق.

بحسب (سليمرود) فإن معادلات (نافيير ستوكس) يمكن أن تقدم تنبؤات جيدة جداً بالنسبة للهواء في جو الغرفة ولكن على الارتفاعات العالية، وغيرها من حالات شبه الفراغ، فإن المعادلات تصبح أقل دقة مما هو مطلوب.

الأمر الذي يلفت النظر، هو أن هذه الاستنتاجات المفاجئة كان يمكن التوصل لها منذ فترة طويلة، وحتى قبل أن يطرح (هيلبرت) المسألة السادسة، ففي عام 1879، أشار أحد العلماء الكبار، وهو الفيزيائي الاسكتلندي (جيمس كلارك ماكسويل)، إلى أن معادلات (نافيير ستوكس) لم تنجح في شرح إحدى التجارب التي تتضمن الإفراغ الجزئي للهواء والتي تدعى (إشعاع كروكس )، والتي كانت على ما يبدو غير معروفة من قبل (هيلبرت).

عمل العديد من الرياضيين بمثابرة على مسألة الجسيمات المائعة بعد عام 1900، بما في ذلك (هيلبرت) نفسه، وقد بدا ذلك من خلال إعادة كتابة (معادلة بولتزمان) المعقدة كملخص لسلسلة من المعايير المتناقصة، ومن الناحية النظرية، كان يمكن بهذا التحليل للمعادلة أن يُعرّف بشكل أكثر سهولة على أنه معادلة بديهية ووصف فيزيائي مختلف للغاز، وربما، وصفاً للميوعة، إلّا المعايير الواردة في السلسلة سرعان ما أصبحت جامحة، فبدلاً من أن تنخفض الطاقة بشكل متدرج كلما انخفضت مسافات الغاز، فإنها كانت تصبح أكثر ضخامة، وهذا ما حال دون تمكن (هيلبرت) وغيره من تلخيص السلسلة وتفسيرها، ولكن مع ذلك، كان هناك ما يدعو للتفاؤل، حيث بدت المعايير الأساسية في سلسلة مشابهة لتلك التي توجد في معادلات (نافيير ستوكس) عندما يصبح الغاز أكثر كثافة وأكثر ميوعة، لذلك وتبعاً لـ(ايليا كارلين)، وهو فيزيائي في جامعة ETH زيورخ في سويسرا، فقد كان علماء الفيزياء سعداء نوعاً ما.

ولكن هل (معادلة بولتزمان)، التي وضعها الفيزيائي النمساوي (لودفيغ بولتزمان) في عام 1872، تتلاقى في الواقع مع (معادلات نافيير ستوكس)، التي وضعها الفرنسي (كلود لوي نافيير) والايرلندي الانجليزي (جورج ستوكس) قبل عقود خلت من ذلك، أو تلاقي شيء آخر؟ في الحقيقة بقي هذا السؤال مفتوحاً.

في أوائل تسعينيات القرن الماضي، وجد (كارلين) الذي أصبح فيما بعد أحد الطلاب الذين كانوا يعملون مع (الكسندر جوربن) في كراسنويارسك في سيبيريا، صدعاً آخر في هذه السلسلة التي أحبطت (هيلبرت)، حيث أن الموقع أثبت بأنه قد يكون مفيداً في هذه الحالة.

وضع (كارلين) و(جوربن) نموذجاً مبسطاً (لمعادلة بولتزمان) التي تحتوي ذات الصعوبات التي تحتوي عليها المعادلة الأصلية، وقاموا بتوسيع نطاق نموذج المعادلة في السلسلة، ومن ثم، وباستخدام بعض الحيل الرياضية، تمكنوا من تلخيص الموقف بالضبط، غير أن الناتج لم يكن بالضبط كما توقعوه أن يكون، حيث ظهرت الأجزاء المتضخمة التي تطرح المشكلة في السلسلة بأنها مجتمعة معاً كمعيار إضافي في المحلول، وعندما رأى (سليمرود) بعد سنوات، عمل العلماء الروس، استطاع تمييز أهمية هذا المعيار، حيث لاحظ بأن هيكل المعادلات التي تخرج من المحلول لا تنطبق مع (معادلات نافيير ستوكس)، بل إنها كانت أقرب ما تكون إلى ما يذكرنا بمعادلات (كورتويج)، على السائل ذو المرحلتين.

قام (كورتويج) بنمذجة ديناميكيات السوائل بطريقة لا يكون هناك خلالها تبديد للطاقة فقط (وهو ما يميز معادلات نافيير ستوكس)، بل ويكون هناك أيضاً تشتت لها، أو تشويه للترددات المكونة للطاقة فيها، كما هو الحال في قوس قزح، وقد كان التبدد في الطاقة ناتجاً عن لزوجة السائل، أو الاحتكاك الداخلي له، أما سبب التشتت فيعود لخاصيته الشعرية –وهو تأثير التوتر السطحي الذي يجعل بعض من أجزاء السائل ترتفع ضمن مقشة الشرب- وعلى الرغم من أن الخاصية الشعرية في معظم السوائل لا تكاد تذكر بالمقارنة مع اللزوجة، إلّا أن هذا لا يكون صحيحاً دائماً، ورياضياً، فإنها لا تكون كذلك أبداً، وكانت هذه الخاصية الشعرية، هي التي جادل عليها (سليمرود) في البحث الذي قدمه في عام 2012، والذي أظهر هذا العامل كمعيار إضافي في حل (كارلين) و(جوربن) لشبه معادلة لبولتزمان خاصتهما، ولكن على الرغم من أن النتيجة لم يتم تعميمها على (معادلة بولتزمان) كاملة، إلّا أنه يشير إلى إن وصف جسيمات الغاز، عندما تترجم إلى وصف الميوعة، لا يقارب (معادلات نافيير ستوكس)، ولكن إلى معادلة (كورتويج) الأكثر عمومية، والأقل شهرة بكثير.

تبعاً لـ(جوربن) الذي يعمل حاليا أستاذاً للرياضيات التطبيقية في جامعة ليستر في إنجلترا، فإن (سايمرود) يعطي أدلة قوية على أن هيدروديناميكيات (كورتويج) تمتلك مجال تطبيق أوسع بكثير من (نافيير ستوكس)، ولكنه مع ذلك يقول بأن عمله مع (كارلين) يشير إلى أن بعض الجسيمات الغازية لا يمكن حتى أن يتم تطبيقها على معادلات (كورتويج)، فعندما تصبح التفاعلات القصيرة المدى بين الجزيئات قوية بما فيه الكفاية، مثل التصادمات الموجية، لا يعود يمكن احتساب سلوكيات الخاصية الشعرية، و لا يعود هناك وجود لأي هيدروديناميكية.

إن عدم اكتمال (معادلات نافيير ستوكس) يصبح أمراً واضحاً في إحدى التجارب القديمة التي أصبحت كثيراً ما تباع في متاجر الهدايا والمتاحف، وهي (إشعاع كروكس)، التي هي عبارة عن طاحونة موضوعة داخل حيز مفرغ جزئياً من الهواء مصنوع من الزجاج، والفكرة الأساسية هي أن هذه الطاحونة تدور عند تعرضها للضوء، ففي عام 1879، حاول ماكسويل وصف دورات المروحة في إشعاع كروكس عبر نمذجة الهواء الخفيف داخل فراغ الحيز كسائل، وأشار إلى أنه فيما إذا ما كانت المعادلات “التي قدمها أستاذ (ستوكس)”، كما سماها، تروي القصة الكاملة عن السائل، فإن المروحة لن تدور، ولكن هذا الدوران يمكن أن يكون تأثير للخاصية الشعرية، وهذا ما وصف بمعادلات (كورتويج).

يأمل (سليمرود) بأن يكون توظيف معادلات (كورتويج) بدلاً من (نافيير ستوكس) أكثر إفادة في نمذجة معادلات الغازات في شبه الفراغ، مثل الهواء الخفيف المحيط بالأقمار الصناعية الدوارة.

عن الكاتب

مترجمة متخصصة بترجمة المقالات العلمية وأحد أعضاء فريق الترجمة في نقطة، خريجة كلية الآداب والعلوم الإنسانية من جامعة حلب سوريا، اختصاص اللغة الانجليزية.

شاركها