محاكاة الحيوانات المفترسة

بدأ الانسان بمحاكاة الطبيعة، و فى هذه المحاكاة كان أكثر اقترابا من حيواناتها. فلم يتعلم الانسان دفن موتاه الا من غرابين قتل أحدهما الآخر ثم قام بحفر حفرة فى الأرض و وضع الغراب الميت فيها.  جاء الغراب ليعلم الانسان كيف يدفن أخيه على أثر شئ قد وقع فى النفس و اتباع لهوى و خفة وزن لعقل مريض وقلب معلول أثقله وزاد من علته الطمع والاستغلال و حب الدنيا ونسيان الأخرة. عندما يتخلل شعاع هذا الطمع من أجل ترجيح سند شئ على شئ أخر، فلن تجد الا بركان ذاتى تنطلق منه حمم سوداء وألسنة نيران تشعل الجسد الانسانى وتغلق أبواب العقول الملوثة بكل ألوان الذاتية المطلقة وتحرك كل الجوارج نحو الاتيان بكل ما هو شر. هذا ما كان من قابيل عند قتل أخاه هابيل، حيث عم السكون المكان و ترقبت الطيور المرتكزة على فروع الأشجار بوادر صراع بين من انطلقت منه حمم البركان واحرقته ألسنة نيران غضبه وبين من جاء قوله فى القرأن الكريم ”  لئن بسطت إلي يدك لتقتلني ما أنا بباسط يدي إليك لأقتلك إني أخاف الله رب العالمين” “المائدة-  28″، ولكن هل يقتل الأخ أخاه؟، واذا بالقول الفصل والفعل الآثم يقع فتصرخ الطيور وتهتز الأرض وتتحرك الرياح بشدة منقطعة النظير وتتمايل الاشجار فيتصادم ما فوقها من طيور، خلل قد أصاب المنظومة الطبيعية للحياة نتيجة الخرق الصارخ للنواميس الطبيعية الذى جاء به قابيل. اعترى الهوى نفس قابيل الآثمة عندما طمع فى حق أخيه، و نسى الله عندما تقبل من هابيل قربانه حيث تقرب الى ربه بأبكار أغنامه وسمانها، وجاء الآخر أخيه، قابيل، ببعض نبت الأرض غير عابأ بأى شئ، غرته قوته وبراعة حيلته وسوء نيته، عندها فقط ما كان من الرجل الصالح الذى يخاف الله الا أن قال ” إني أخاف الله رب العالمين” و لن أصنع كما تريد أن تصنع فستبوء باثمك واثمى.

أول جريمة قتل فى الكون ما كانت الا من قابيل بقتله لأخيه هابيل، وعندما ندم و أراد أن يوارى جثة أخيه فشل فشلا ذريعا حتى حاكى الغراب الذى أرسله الله له ليعلمه و يعلم البشرية جمعاء  كيف نوارى سوءة الانسان؟.

ومن السوء الا الأسوء عندما نجد الأم تقتل أبنائها نفسيا ومعنويا محاكية فى ذلك بعض الحيوانات التى تقتل ابنائها وتتغذى عليها، كما هو الحال مع النسر الذهبى الذى يقوم بأكل صغاره مع قلة الطعام لدرجة أن ما يصل من 80 % من فراخ النسر الذهبى تموت من الجوع أو من الأكل، و كما هو الحال أيضا مع سمندل النمر. اختلت المعادلة الكيميائية للحياة فاهتزت درجة اتزانها من خلال الصراع المفتعل بين المنتجات والمتفاعلات، هذا الصراع الذى ما كان يجب ان يكون. خلل وتصدع فى بنيان الاتزان الحياتى جاء بجهل نابع من قاع بل من مستنقع بعض الذى يدعون العلم والثقافة. زاد الجهل المقنع فى صورة  ما ادعو أنه علم، فطغت الأفكار ذات الاتجاه الواحد الممتزجة بدماء التعصب والعصبية المميتة لكل ما هو صالح لدرجة أن الكل قد أصبح على صواب. سادت فكرة الصواب الخاطئ، فلن تجد من يعترف بخطاه، فالوالدين على صواب والأبناء على صواب وكلاهما يرى الأخر خطأ ومن ثم ينفجر بركان العصيان فيما بينهم، بركان لن يلفظ الا كل ما هو سئ من خيانة وقتل …..ألخ. والانسان وهو فى طريقة الخاطئ هذا، يفقد انسانيته ويتبع السلوك الحيوانى الشرس القائم على ذاتية الأفعال وهتلرية الأفكار المريضة التى يغيب أمامها أى تعليم أو تجربة قد مر بها. وهنا تكون الحيوانات المفترسة أخف وطأة من الانسان، لأن الطبيعة قد اخبرتنا بهذه الحيوانات المفترسة ولكنها لم تخبرنا بطبيعية كل انسان ومن ثم فلن يكون من السهل أن نفرق بين قابيل وهابيل هذا العصر.  و كأن لسان حالنا يخبرنا بأننا بدأنا حياتنا بمحاكة الحيوانات وسوف ننتهى بمحاكاتنا للحيوانات ولكن فى هذه المرة، وهى النهاية، محاكة الحيوانات المفترسة.

Total
0
Shares