كريسبر

ما هي تقنية كريسبر Cas-9 التي أحدثت ثورة في عالم البايولوجيا؟

في عام 1987 اكتشف العالم الياباني يوشيزومي ايشينو تتابعت متناظرة من الجينات على الحمض النووي لدى بكتيريا تسمى E.coli والتي تعيش في الأمعاء بصفة عامة، لم يتمكن ايشينو وزملائه من تحديد وظائف تلك التسلسلات على الحمض النووي، لكن أطلقوا عليها اسم “كريسبر” أو التكرارات العنقودية المتناوبة منتظمة التباعد.

تمر أعوام أخرى ويكتشف العلماء بأن تلك التسلسلات شائعة في ميكروبات أخرى.

في عام 2007 توصل العلماء بأن تلك التسلسلات ما هي إلا جزء من منظومة الدفاع في البكتيريا ضد الفيروسات وبعد حوالي 5 سنوات، وتحديداً في أغسطس 2012، نشرت الباحثتان إيمانويل شاربنتييه وجينفر دودنا بحث في مجلة Science وأعلن الباحثون بعدها إمكانية استخدام التقنية في التعديل الجيني، وفي مارس 2015 تم الإعلان عن أول تجربة لتقنية كريسبر تنشر جيناً معدل.

توالت التجارب وازدادت الأبحاث المتعلقة بـ كريسبر حتى حصل مكتشفيها الباحثتان: شاربنتييه ودودنا على جائزة نوبل سنة 2020 … فما هي تقنية كريسبر التي اقتحمت الساحة العلمية بتلك السرعة وأصبحت أحد أهم الطرق الموجودة الآن التي يستخدمها العلماء في التعديل الجيني؟ 

تسلسلات كريسبر على البكتيريا وإنزيم Cas-9

 كلمة Crispr هي اختصار لجملة Clustered Regularly-Interspaced Short Palindromic Repeats.

لدى البكتيريا وسائل دفاعية تدافع بيها تجاه أي فيروس يقوم بمهاجمتها تلك الوسائل الدفاعية ربما تشبه الجهاز المناعي لدى الإنسان ولكن بالتأكيد الإنسان لديه جهاز مناعي أكثر تعقيداً من البكتيريا.

لكن السؤال ما الذي سيحدث مثلاً إن هاجم فيروس بكتيريوفاج-Bacteriophage  البكتيريا؟ يوجد على الحمض النووي لدى البكتيريا تتابعت من الجينات تسمى Cas، وعند مهاجمة الفيروس للبكتيريا تقوم تلك الإنزيمات بقطع أجزاء من الحمض النووي لدي الفيروس ووضعها على مناطق كريسبر على الحمض النووي لدى للبكتيريا، وهكذا تحتفظ البكتيريا بمعلومات عن كل فيروس يقوم بمهاجمتها في مناطق “كريسبر” فإن عاد الفيروس مرة أخرى تقوم إنزيمات ال 9Cas بالاتحاد مع التسلسل الجيني المشابهة للفيروس (crRna) على منطقة كريسبر ومن ثم يتحد crRna مع الحمض النووي للفيروس حتى يقوم إنزيم Cas-9  بتدمير الحمض النووي للفيروس وهكذا تنتهي العدوى.

يمكن أن نعتبر منطقة كريسبر على ال DNA في البكتيريا كملف يضم جميع الهجمات التي تلقتها البكتيريا في الماضي.

الأمر أشبه بالمناعة المكتسبة لدى الإنسان، حيث يتقوم الخلايا المناعية الليمفاوية بإنتاج أجسام مضادة ضد الميكروب حتى تتمكن من القضاء عليه إذا اقتحم خلايا الجسم مرة أخرى. 

كيف تم استخدام كريسبر في التعديل الجيني؟

تستطيع كل خلية التعرف على الأحماض النووية الغير مكتملة أو التي بها بعض العيوب فالإنزيمات داخل كل خلية قادرة على إصلاح تلك العيوب بشكل دوري عن طريق تعويض الجزء المتبقي من النوكليوتيدات على ال DNA حتى لا يحدث خلل في الشريط يؤدي لحدوث مشاكل للفرد في المستقبل.

من هنا نشأت فكرة إمكانية إدخال جينات جديدة على الحمض النووي من خلال تقنية كريسبر أي يمكن إدخال جينات تساعد في تحسين النوع أو إزالة جين معين قد يسبب المرض مستقبلاً أو حتى إعادة تنشيط جينات أخرى.

تعتمد تلك التقنية في الأساس على إنزيم Cas-9 والحمض النووي الريبي الدليل (gRNA) والذي يعمل لتوجيه الإنزيم للقص من المنطقة المراد تعديلها أو إدخال جين جديد بها. 

هل ستمكنك “كريسبر” من كتابة جينات ابنك بنفسك ذات يوم؟

عالم روسي يكشف عن خطة لاستخدام تقنية “كريسبر” لعلاج الصمم الوراثي

التعديل الوراثي قبل وبعد كريسبر 

كان يستخدم العلماء قبل تقنية كريسبر إنزيمات ووسائل أخرى للتعديل على الجينات الوراثية مثل: إنزيم EcoR1 والذي كان مُحدد بتسلسل معين (GAATTC) يمكنه التعرف عليه وقطع ال DNA من خلاله، وتقنية ZFNs والتي كان استخدمها باهظ الثمن يصل إلى 5000 دولار، لكن مع كريسبر تمكن العلماء من قطع الحمض النووي عند أي منطقة وبتكلفة تصل إلى 30 دولار فقط! فضلاً عن أن الوسائل الأخرى كانت تتم في أنواع معينة فقط كذبابة الفاكهة والفئران، أما بواسطة كريسبر عمليات التعديل الجيني أصبحت ممكنة في العديد من الأنواع بما فيهم الإنسان. 

في الواقع، اقتحمت تقنية كريسبر مجال التعديل الوراثي وازدهرت بشكل غير طبيعي حتى أصبحنا نرى نحن المنتجات الزراعية المعدلة وراثياً وأنواع من الحيوانات يتم إدخال جينات جديدة بها والحصول على جينات مرغوب فيها من أنواع وزرعها في أنواع أخرى وذهبت آفاق تلك التقنية حيث أصبح يتم استخدمها في “الحث الجيني” والتي يحاول العلماء اليوم من خلالها خلق جنس كامل أو تغيير جنس كامل ليصبح أقل ضراراً للبيئة والإنسان كما في بعوضة الملاريا على سبيل المثال. 

 لكن في الواقع، هناك بعض المخاوف والمشاكل الأخلاقية التي تلوح في الأفق لاستخدام تلك التقنية في التعديل على الأجنة البشرية وبعض الأنواع الأخرى التي قد تسبب عواقب فادحة غير مقصودة، ولكن في النهاية يظل البحث العلمي والعلم أسمى الوسائل التي وصل إليها الإنسان ولا يجب أن يتم تحجيم مهمة العلم إلا من خلال وضع الضوابط الملائمة لعملية البحث كافة وتلك التقنية خاصة. 

مصادر تمت الاستعانة بها:

  1. “Pioneers of revolutionary CRISPR gene editing win chemistry Nobel” – Nature, October 2020
  2. Ledford, H. CRISPR, the disruptor. Nature 522, 20–24 (2015).
  3. https://doi.org/10.1038/522020a
  4. A genetically modified organism could end malaria and save millions of lives — if we decide to use it. By Dylan Matthews -Vox. 
Total
0
Shares