لماذا يمرّ الزمنُ ببطءٍ حين يقفز بطل الفيلم من سطح المبنى؟ ولماذا هذا صحيح علميًّا؟

من منّا لم يجد سخافةً في الأمر وهو يُتابع فيلمًا يقرّر بطله أن ينتحر قفزًا من فوق أحد المباني, ثم يبدأُ الزمنُ أمامَه بالتباطؤُ حتى ليشعرُ أنّه مرّ بأسابيع وليس فقط بضعة ثوانٍ. كان عليك التأكّد من الأمر قبل التقليل منه لأنّه يحدث في الواقع فعلًا!

لا, ليس للأمرِ علاقةٌ بالفيزياء, صحيحٌ أن الزمن يمرُّ أبطأ كلما زادت الجاذبية أي في اتجاه السقوط, ولكن بدرجة بسيطة غير محسوسة, إنما في حالتنا هذه فللأمر علاقة بإدراكنا, وأدمغتنا.

“عندما أجلس مع من أحب لمدة ساعتين، أخالها دقيقةً واحدةً فقط. ولكني عندما أجلس على موقدٍ ساخنٍ جداً لمدة دقيقة أخال أنها ساعتان، هذه هي النسبية”

  • جملة لم يقلها أينشتاين, ونُسِبَت له بالخطأ, لكنّها معبرة عن المعنى هنا جدًّا.

في برنامجه “الدماغ” يستعرض ديفيد إيغلمان إحدى ذكريات طفولته حين سقط من سطح منزلٍ منخفض.

يقول “شعرت أنّ الأمر استغرق كثيرًا, وانتظرت حتى فصل الفيزياء بالمرحلة الثانوية لأحسب زمن سقوطي, ووجدتُه حينَها ثمانية أعشار من الثانية  0.8 sec فقط”.

كيف يشعر الناس بهذا الإبطاء الزمنيّ؟

يشعر الناس بهذا الإحساس خلال اللحظات المرعبة, على سبيل المثال لا الحصر, ذكر “جيب كورليس” أحد خبراء الطيران أنّه أخفق مرة في دورة الطيران خاصته, وبسرعته البالغة 120 ميلًا في الساعة, اصطدم جيب بحجر جرانيت مسطح صلب أثناء طيرانه من أعلى الجبل.

مرّت 6 ثوانٍ ما بين لحظة اصطدام جيب ولحظة سحبه لحبل الباراشوت, كما سجلت الكاميرات, 6 ثوانٍ بتقديرنا نحن,لكن بالنسبة ل”جيب كورليس” استغرق الأمر طويلًا جدًّا.

وصف الأمر أنّهُ كان تشويهًا زمنيًّا على نحوٍ لم يشهده مُسبقًا, الثواني التي استغرقها “جيب” للتفكير في فتح المظلة شعر بها وكأنّها دقائق, عملية إنقاذه استغرقت ساعتين ونصف لكنّها مرّت عليه كأسابيع.

 ما التفسيرُ إذًا؟

يكمنُ التفسير في الآلية التي يتعاملُ بها المخ مع الذكريات, ففي حالات الهلع تنشط اللوزة المُخيّة Amygdala -المسئولة عن إدارة شعور الخوف, والتي لها دور في الذاكرة كذلك- وتسحب نشاط المُخّ إليها من باقي أجزائه, وتركّز الانتباه للحظة الراهنة فقط.

حين تنشط اللوزة تنبسط الذكريات, لتستقبل حواسنا أكبر قدر ممكن من التفاصيل, وهذه آلية يُساعدنا بها المخ من أجل الحفاظ على سلامتنا, فهو يعمل على جمع المعلومات من حولنا لإيجاد طريقة لإنقاذنا من هذا الوضع الخَطِر.

يستشعر مُخُّنا الخطر ويحاول حمايتنا بكل سبيلٍ ممكن, لن نبالغ إذا قلنا أن معظم البشر قد مرّوا بتجارب مماثلة من الإبطاء الزمني أثناء اللحظات التي هدّدَت حياتهم, كحوادث ارتطام الطائرات أو حتى الزلازل, وقد وصفت إحدى الناجيات من زلزال أمريكا عام 1988 ما حدث قائلةً “كان الوضعُ أشبه بفيلم بطيء الحركة, كانت الصفائح الخرسانية تتساقط ببطءٍ شديد”.

ذهب البعضُ أنّ هذا ما هو إلا استجابة تكيّفية أو خدعة نفسية طورّها البشر للصمود في مواقف الطواريء. وأيًّا يَكُن التفسير فالأكيد أن الإبطاء يحدث على مستوى الذاكرة فقط, فنحن لا نعلم وقت الخطر أن الوقت يمرُّ ببطءٍ بالنسبةِ إلينا فقط, وهذا لا يمنعنا من استجلاب أكبر قدر من التفاصيل عند استرجاع هذه الذكرى لاحقًا. ذهب “ستيف تايلور” أحد الباحثين في علم النفس أن الأمر يُعزى إلى “حالة الوعي” ففي حالات مثل التأمل العميق, أو تناول عقاقير مثل LSD الجالب للهلوسة تتبدل حالة الوعي ويتباطيء الزمن بصورة جذرية, وفي حالات أخرى كالتنويم المغناطيسي يتسارع مرور الوقت. إذًا شعورنا بالوقت ليس بالشيء المطلق ولا الثابت, إنما هو بعد نفسي يعتمد على النمواذج الذي يسيرُ عليه الوعي. مرةٌ أخرى أصابَ أينشتاين.

المصادر:-

Total
0
Shares