لقاح عالمي جديد لعلاج الانفلونزا في طريقه إلينا

إن الطريقة التي تتم فيها إنتاج اللقاحات، تحتم على الخبراء أن يقرروا نوع السلالات الفيروسية التي سيستهدفونها قبل وقت طويل من انطلاق موسم انتشار هذه الفيروسات، وخاصة بالنسبة لفيروس الأنفلونزا، وبمجرد اتخاذ القرار، لا يعود بالإمكان تغيير اللقاح وتجهيز آخر غيره، وفي بعض الأحيان – كما حدث مع لقاح الانفلونزا لعام 2014-2015- يخطئ الخبراء في تخمينهم لنوع الفيروسات التي سيتم استهدافها، فوفقاً للتقرير الأسبوعي للمرضى والوفيات الصادر في 16 كانون الثاني عن مركز السيطرة على الأمراض والوقاية منها (CDC)، تبين أن الأشخاص الذين حصلوا على جرعة من لقاح الأنفلونزا في هذا الموسم انخفضت لديهم مخاطر الحاجة لزيارة الطبيب بسبب أمراض متعلقة بالإصابة بالأنفلونزا بنسبة 23% فقط، في حين أنه عندما يكون اللقاح متوافقاً مع سلالات فيروس الانفلونزا الأكثر انتشاراً للعام، تكون فعاليته تصل إلى 50 أو 60 %.

إن التلقيح ضد الأنفلونزا لا يفيد فقط في تجنب الإصابة بالرشح لمدى أسبوع من الزمن، فالأنفلونزا الموسمية يمكن أن تسبب مشاكلاً صحية خطيرة، وخاصة لدى من هم دون سن العامين أو فوق سن الـ 65 عاماً، ولدى الذين يعانون من ضعف في جهاز المناعة أو حالات طبية أخرى، وتقدر منظمة الصحة العالمية أن 3- 5 ملايين شخص على مستوى العالم يعانون من آلام مبرحة بسبب الأنفلونزا في كل عام، مما يتسبب بـ  250,000 إلى 500,000 حالة وفاة سنوياً.

على الرغم من أن اللقاح هذا الموسم كان سيئاً، ولكن مع ذلك يشدد الخبراء على ضرورة الحصول على الجرعة الموصى، وذلك لهدف واحد، وهو أن السلالات التي تم تصميم اللقاح لمحاربتها، قد تبدأ بالانتشار بشكل واسع في وقت لاحق من هذا الموسم، كما يمكن للقاح أيضاً منع حدوث بعض الالتهابات وتقليل شدة بعضها الآخر، مما قد يجنب العديد من الأشخاص دخول المستشفى أو الوصول إلى نتائج أسوأ.

ولكن مؤخراً، ظهر أمل جديد في الأفق قد ينهي المحاولات السنوية المجهدة للتكهن بنوع الأنفلونزا، فقد أصبح العلماء قريبين من امتلاك نوع من “اللقاح العالمي” الذي يمكنه مكافحة سلالات متعددة من الأنفلونزا بجرعة  تستمر مدى الحياة، مثل تلك التي تحمي الإنسان ضد الحصبة والنكاف والحصبة الألمانية، وهذا اللقاح من شأنه أن يكون بمثابة هدية للصحة العامة، لأنه سيشجع المزيد من الأشخاص للحصول على الجرعات، حيث أن معدل الأشخاص الذين كانوا قد حصلوا على الجرعة السنوية من لقاح فيروس الأنفلونزا التقليدي لم يتعدى الـ 40% في أمريكا خلال السنتين الماضيتين، وذلك تبعاً لاستطلاعات الرأي التي قام بها مركز السيطرة على الأمراض (CDC)، ويرجع ذلك جزئياً إلى أن الكثير من الأشخاص يجدون بأن أخذ جرعات اللقاح بصورة سنوية أمر غير مريح.

يشير (ماثيو ميلر) من جامعة ماكماستر في أونتاريو، بأن بناء “حصانة منيعة للغاية” لدى السكان من خلال تلقي كامل السكان للقاح هو أمر مهم للغاية، وعلى سبيل المثال فلنأخذ مرض الحصبة، والذي أصبح الآن من الأمراض النادرة جداً بفضل حملة التطعيم التي جرت على نطاق واسع جداً في القرن الـ 20، ولكن مع ذلك، تم الإبلاغ عن انتشار عشرات الحالات الجديدة من الحصبة منذ منتصف ديسمبر كانون الأول، ويرجح أن يكون هذا الانتشار قد بدأ مع زائر مصاب بالحصبة، علماً أنه تم تأكيد أن نحو 20 مريض هم من الأشخاص الغير مطعمين.

إن الجزء الصعب في تطوير لقاح للأنفلونزا، هو قدرة هذا الفيروس على التغيّر السريع والمستمر، حيث تعمل الطفرات الوراثية على تغيير البروتينات السطحية لهيكل الفيروس، مما يؤدي إلى تغيّر الخصائص التي تحدد مدى ضعف هذا الفيروس تجاه اللقاحات، ومدى سهولة انتقاله من شخص إلى آخر ومدى مقاومته للأدوية المضادة، والجدير بالذكر أنه منذ 1 تشرين الأول من عام 2014، استطاع مركز السيطرة على الأمراض تمييز 462 فيروس أنفلونزا مختلف.

أغلب لقاحات الأنفلونزا تعرّض الجسم لـ “عينة” من الفيروس الذي تم تعطيله أو إضعافه، وبذلك يتمكن الجسم من تكوين جسيمات مضادة لهذا الفيروس خلال فترة أسبوعين من أخذ التطعيم، وهذه الأجسام المضادة بدورها تعمل على حماية الجسم من السلالة الفيروسية ذاتها التي تم استخدامها لصنع اللقاح، وعادة ما يصاب البشر في الأول من كل موسم بنوعين من الأنفلونزا وهما  (A) أو (B)، لذلك يتم تضمين اللقاحات الموسمية بسلالة (A) وتضم ((H1N1 و (H3N2) وواحد أو اثنين من سلالات الأنفلونزا (B)، ولكن عملية إنتاج وتسليم ملايين الجرعات في بداية  الموسم في أوائل ديسمبر كانون الأول، هي أمر مرهق جداً ويستغرق وقتاً طويلاً، كما أن هذه الطريقة التقليدية تعتمد على تخمين العلماء لنوع الفيروس الذي يجب عليهم تضمينه في اللقاح قبل أشهر من وصول موسم الأنفلونزا، وما حدث هذا العام، أن ما يقدر بنحو 70% من فيروسات (H3N2) المنتشرة تطورت عن تلك المستخدمة في اللقاحات، مما يعني أن اللقاح أصبح يحاول مكافحة سلالات من الأنفلونزا لم تكن موجودة عندما تم إصداره.

ولكن هذا النظام يمكن أن يتغير قريباً، حيث أعلنت مجموعة من الباحثين في وقت سابق من هذا الشهر أنها على وشك أن تبدأ بالتجارب السريرية على لقاح عالمي يمكن أن يكون فعالاً ضد جميع سلالات الأنفلونزا ويتم استخدامه لمرة واحدة فقط، ويقول (ميلر)، وهو أحد مبدعي هذا اللقاح، بأنه يمكن أن يصبح حقيقة واقعة خلال خمس إلى سبع سنوات، إذا ما جرت التجارب السريرية بسلاسة.

يوضح البحث الذي تم نشره في مجلة (Virology)، أن اللقاح يعتمد على فئة معينة من الأجسام المضادة قادرة على مكافحة مجموعة واسعة من فيروسات الأنفلونزا من النوع (A)، فهي تستهدف منطقة من البروتين الفيروسي معروفة باسم الراصة الدموية القصبية، وتتوضع هذه الراصة على شكل عصا على البروتين الفيروسي، بشكل يشبه مصاصة الحلوى، وبذلك حتى إن تغيرت النكهات في الحلوى “تحوّر الفيروس”، إلّا أن العصا ستبقى على حالها وهكذا سوف يستمر تأثير اللقاح عليها.

استطاع (ميلر) وزملاؤه من جامعة ماكماستر ومدرسة طب ماونت سيناي اختبار اللقاح حتى الآن على مجموعة من الفئران والقوارض، وبينت النتائج أنه عندما كانت تلك الحيوانات مصابة بسلالة فيروسية مطابقة تماماً مع اللقاح التقليدي، كان أداء كلا اللقاحين متقارباً، ولكن عندما كانت الحيوانات مصابة بسلالة أخرى من الفيروس، توفيت الحيوانات التي تم علاجها باللقاح التقليدي، في حين أن أولئك الذين تم علاجهم باللقاح العالمي تماثلوا للشفاء.

يشير (ميلر) إلى أن هذا اللقاح يعتبر سبقاً طبياً كبيراً، ولكن ما تزال إستراتيجية دمج عنصر الأنفلونزا من النوع (B) في اللقاح العالمي في طور التطوير، وتقدمه ما يزال بطيئاً حتى الآن، علماً أن الأنفلونزا من نوع (B) تعتبر من الأنواع الأقل إقلاقاً وذلك مقارنة مع نوع (A) من الأنفلونزا التي تعرف بتسببها للأوبئة ذات التفشي البارزة، مثل (H5N1) والمعروف باسم أنفلونزا الطيور، ولكن مع ذلك لا يزال الباحثون يعتبرون إضافة النوع (B) “أولوية قصوى”.

Total
0
Shares
اترك تعليقاً