كيف تتعلم وكأنك تمتلك دماغ طفل صغير من جديد؟

5 أغسطس , 2018

شاركها

مصدر المقال

المصدر

الرابط المختصر لهذا المقال

https://www.nok6a.net/?p=22816

يمتلك الاطفال أدمغة مذهلة، حيث بإمكانهم تعلم لغتين في مرحلة الطفولة المبكرة بنفس السهولة التي يمكنهم فيها تعلم لغة واحدة، كما يبدو أيضاً أن مرحلة الطفولة المبكرة هي الفترة الزمنية المثالية التي يكون فيها التدريب الموسيقية أسهل بكثير لاكتساب مهارة قد تصل فيما بعد إلى درجة الكمال.

هذا ليس كل شيء، فالأطفال واليافعين قادرون على تعلم بعض المهارات والقدرات بسرعة أكثر بكثير من معظم البالغين، وبطريقة ما، فإن هذا يبدو منطقياً تماماً، لأن دماغ اليافعين يكون أكثر لدونة، أو قدرة على التقولب، فعندما نكون في مرحلة الشباب، ونكون قد بدأنا بتعلم كيفية التنقل في العالم، نكون بحاجة لاكتساب المهارات والمعرفة بشكل سريع جداً.

مع تقدمنا في العمر، نفقد الكثير من هذه اللدونة، وتصبح عقولنا وشخصياتنا محددة أكثر، لدرجة قد يصبح من الصعب معها  تعلم أو تغيير بعض الأمور، ولكن كأشخاص بالغين في هذا العالم الحديث سريع التغير، فقد تكون القدرة على تعلم مهارات جديدة أكثر أهمية من أي وقت مضى، ومن الطبيعي أن نشعر بالغيرة من مدى السرعة التي يمكن فيها للأطفال تعلم الأشياء.

لكن تبعاً لـ(ريتشارد فريدمان)، وهو أستاذ في الطب النفسي السريري ومدير عيادة علم الأدوية النفسية في مركز طب وايل كورنيل، فإن الباحثين يعملون حالياً على اكتشاف سبل قد تجعلنا قادرين على استعادة بعض تلك اللدونة العصبية التي كنا نمتلكها في فترة الشباب.

إذا كان هؤلاء الباحثين على حق، فقد يكون بإمكاننا استعادة بعض من قدراتنا على التعلم كالأطفال في يوم ما.

استعادة الليونة

في إحدى التجارب التي وصفها (فريدمان)، وجد العلماء بأن إعطاء الفالبروات المضادة للاكتئاب لمجموعة صغيرة تتألف من 24 رجلاً بالغاً من الشباب والذين لا يعرفون الكثير عن الموسيقى، عزز بشكل كبير من قدرتهم على تعلم كيفية التمييز بين الطبقات الموسيقية المحددة بالمقارنة مع الرجال الذين تم إعطاؤهم الدواء الوهمي.

يعتبر اختبار القدرة على تعلم الطبقات الموسيقية وسيلة جيدة لتقييم مدى لدونة الدماغ وذلك على اعتبار أنه يبدو بأن هذه القدرة ترتبط بقوة مع “الفترة الحرجة من التعلم” حيث يتعلم الأطفال هذه المهارة بشكل أفضل.

أشار الباحثون في دراستهم التي تم نشرها في مجلة (Frontiers in Systems Neuroscience)، بأنهم اختاروا هذا الدواء لأنه يقمع البروتين الذي يبدو بأنه يعمل بمثابة فرامل للدماغ خلال تلك الفترة الحرجة من التعلم، والتي تعطي الاطفال القدرة على تعلم هذه المهارات الجديدة بشكل سهل وسريع.

يضيف الباحثون بأنه إذا ما تأكدت نتائجهم من خلال إجراء المزيد من الدراسات، سيكونون قد حصلوا على معلومات هامة متعلقة بالأدوية التي قد يكون بالإمكان استخدامها بأمان لإعادة اللدونة العصبية بطريقة محددة وهادفة.

في حين أن الباحثين كانوا قد قاموا بضبط تجربتهم لمراقبة التغيرات المعرفية العامة التي قد تنجم عن الدواء بشكل حذر، فإن عملهم – مثل غيره من الأعمال – ما زال يأتي مع العديد من التحفظات، فأولاً، كانت مجموعة الاختبار صغيرة، ولم تشمل سوى رجالاً من فئة عمرية معينة، والأهم من ذلك هو أن الأبحاث في هذه المرحلة ما تزال بعيدة جداً عن كونها قاطعة.

ومع ذلك، وبطريقة ما، فإنه ليس من المستغرب أن تستطيع الأدوية تغيير الطريقة التي تعمل بها عقولنا، حيث قام العديد من الباحثين الآخرين بتجريب أشياء مثل التحفيز الكهربائي في محاولة لتعزيز المرونة العصبية.

يعتبر الدماغ من الأعضاء المعقدة بشكل مذهل، وكثيراً ما يتم وصفه بأنه “الجسم الأكثر تعقيداً في الكون المعروف”، فهناك الكثير من الأشياء التي تحدث في داخله، ولذلك فإن الأدوية التي تؤثر على الدماغ، من مضادات الاكتئاب إلى المنشطات، قد تتسبب في حدوث تغيرات قوية طويلة الأمد، ونحن ما نزال في بداية طريق معرفتنا بها.

ما الذي يمكن أن يتغير إذا ما استطعنا التعلم كالاطفال مرة أخرى؟

في السنوات الأخيرة تغيرت الكثير من الأشياء التي كنا نعتقد بأنها صحيحة حول الدماغ، فقد تعلمنا بأن البالغين ينتجون خلايا عصبية جديدة وأن بعض الأمور مثل ممارسة الرياضة تزيد من معدل تكوين الخلايا العصبية في حين أن الأشياء مثل الإجهاد تخفض من هذا المعدل.

أشار (فريدمان) بأن باحثين آخرين كانوا قد حددوا طريقة قد نكون قادرين من خلالها على التخفيف من بعض التغييرات التي تحدث للدماغ نتيجة التعرض للصدمات في وقت مبكر من الحياة، ولكن هذا البحث لا يزال في مرحلة مبكرة جداً من النموذج الحيواني.

يحذر (فريدمان) من أنه لا يزال هناك الكثير من علامات الاستفهام حول هذا الأمر، فهل يمكن لإعادة اللدونة الدماغية أن يكون لها جانب مظلم؟ وهل يمكن أن يجعلنا أكثر عرضة للإجهاد والصدمات، على سبيل المثال، أو أن يتداخل مع نومنا؟ نحن لا نعرف حتى الآن.

إذا ما ثبتت صحة هذا الاكتشاف، فإنه سيفتح الكثير من الأبواب، ففي الوقت الذي قد يرغب فيه البعض تعلم الموسيقى واستيعابها بشكل أكثر فعالية، فقد يرغب البعض الآخر في تعلم لغة جديدة بسرعة قبل الذهاب في رحلة إلى الخارج، أو في احتراف لعبة ما.

ولكن الآثار الأكثر عمقاً بالنسبة لهذا الاكتشاف فستكون بالنسبة للأشخاص الذين يعانون من اضطرابات طيف التوحد والأمراض النفسية والإعاقات الجسدية، فإعادة الدماغ لتلك الفترات الحرجة يمكن أن يساعدنا في إعادة بناء الهياكل المادية من أدمغتنا، ومحو الاتصالات السيئة وإعادة وصل أجزاء الدماغ المختلفة بشكل أفضل من جديد.