علمياً: الإنطوائية أفضل للصحة العقلية!

1 يناير , 2019

عن الكاتب

مترجمة متخصصة بترجمة المقالات العلمية وأحد أعضاء فريق الترجمة في نقطة، خريجة كلية الآداب والعلوم الإنسانية من جامعة حلب سوريا، اختصاص اللغة الانجليزية.

شاركها

مصدر المقال

المصدر

الرابط المختصر لهذا المقال

https://www.nok6a.net/?p=22832

يبدو بأن الأمر قد أصبح رسمياً: نحن نستهلك أنفسنا مع مرور الوقت، حيث أشار ثلثي عدد المشاركين البالغين في الدراسة العالمية التي شملت 18000 شخصاً للباحثين في جامعة دورهام بأنهم بحاجة للحصول على المزيد من الراحة، وهذا ليس بالأمر المستغرب، خاصة وأن العلماء كانوا قد حذرونا من أن الساعات الطويلة التي نقضيها في العمل تتركنا محرومين من النوم.

ولكن المستغرب في الأمر، هو أن الدراسة بينت بأننا بحاجة لأن نكون لوحدنا لنحصل على ما يكفي من الراحة، فقد تم تصنيف النشاطات، مثل القراءة وقضاء الشخص لوقت مع نفسه، كأكثر الأنشطة قدرة على الترميم، حيث يتصدر هذان النشاطان قائمة النشاطات المريحة للأشخاص الذين شملهم الاستطلاع مع 58% و 52.1% بالترتيب، والغريب في الأمر هو أن هذا الاكتشاف يجعل الإنطوائية من الطرق الحياتية المفيدة، وذلك من خلال  إعادة شحن طاقة الشخص عن طريق قضائه لبعض الوقت بمفرده، ولكن على اعتبار أن ما لا يقل عن نصف السكان هم من الأشخاص المنفتحين، الذين لا يحتاجون لقضاء الكثير من الوقت بمفردهم، فإن هذا يطرح تساؤلاً حول ما إذا كان قد اختلط الأمر على الباحثين، وإذا ما كان الانطوائيون هم فقط من يحتاجون لإيصاد الأبواب على أنفسهم للحصول على حصتهم الكافية من الراحة.

لمعرفة ذلك، قام الباحثون من جامعة دورهام بقياس شخصيات المشاركين، ووجدوا بأن الانطوائيين كانوا أكثر عرضة بأن لا يقوموا بممارسة أي نشاط والاكتفاء بالجلوس مع أنفسهم لإيجاد الراحة، ولكن بحسب قائدة الدراسة البروفسيور (فيليسيتي كالارد)، فإن المنفتحين ذاتهم كانوا يجدون هذه الأنشطة الانفرادية أكثر راحة من الاختلاط الاجتماعي مع الأصدقاء، فعبر معاينة المشاركين ككل، كانت الأنشطة التي تتضمن أفعالاً أكثر اجتماعية، مثل قضاء الوقت مع العائلة والأصدقاء، وتناول الغداء في الخارج، أكثر ميلاً للحصول على ترتيب أدنى على قائمة الأنشطة الباعثة على الراحة، وهذا يشير بالتأكيد إلى أن قضاء وقت منفرد قد يكون له نتائج مفيدة للجميع.

بحسب (سانا بالساري بالسولي)، وهي طالبة دكتوراه في علم النفس من جامعة كامبريدج، فنحن جميعاً بحاجة إلى وقت لاستعادة نشاطنا، وعلى الرغم من أن كيفية قضاء هذا الوقت قد تختلف من شخص لآخر، فنحن جميعاً نتشابه في كثير من النواحي أكثر بكثير مما كنا نعتقد، حيث ترى (بالساري بالسولي) بأن هناك فرقاً بين الراحة وما وصفته بـ”مأوى الترميم”، ففي حين أن الراحة، هي حاجة إنسانية أساسية تبدو متشابهة بالنسبة لنا جميعاً، فإن مآوى الترميم هي الأماكن والأنشطة والحالات العقلية التي يدعي الأشخاص بأنها تعيد شحن طاقتهم، وفي بحثها، اكتشفت (بالساري بالسولي( الفروق الدقيقة فيما يراه الانطوائيون والمنفتحون كمآوٍ ترميمية.

تبعاً لـ(بالساري بالسولي) فقد تبين بأن كلاً من الانطوائيين والمنفتحين يشيرون بأن تناول الغداء مع زملائهم هو عبارة عن مأوى ترميمي لهم خلال يوم عمل مزدحم، ولكن بعد البحث بشكل أكثر تعمقاً وجدت (بالساري بالسولي) بأن الانطوائيين يفضلون تناول الغداء مع زميل واحد ويعتبرونه مأوى ترميمي، في حين أن الأشخاص المنفتحين يشيرون إلى أن تناول الغداء مع ثلاثة أو أربعة من زملائهم هو تلك المآوي، وبالإضافة إلى ذلك فقد أشار كل من الانطوائيين والمنفتحين إلى أن الجري يمكن أن يكون مأوى ترميمياً بالنسبة لهم، ولكن بعد البحث بشكل أكثر عمقاً تبين بأن الانطوائيين يعتبرون الجري لوحدهم هو مأواهم الترميمي، في حين كان المنفتحون يفضلون الجري ضمن مجموعات.

إذاً فهل يحتاج المنفتحون لقضاء وقت ترميمي لوحدهم أيضاً؟ الجواب: ليس بالضرورة! فوفقاً لـ(بالساري بالسولي)، بالنسبة للمنفتحين، الذين ينفقون بالفعل جزءاً كبيراً من يومهم وهم يشاركون في أدوار انطوائية ويتصرفون بطريقة بعيدة عن شخصياتهم، فقد يكون السعي لقضاء بعض الوقت في الوحدة بمثابة ضغط إضافي، ولكن من ناحية أخرى، فإن المنفتحين الذين يسعون عمداً للحصول على وقت لوحدهم مع أنفسهم قد يكونوا أكثر إنتاجية في بيئة العمل، فوقت الوحدة يمكن أن يُترجم بالنسبة لهم كوقت للإبتعاد عن الملهيات، والجدير بالذكر أن إحدى نقاط القوة المرتبطة بالانطوائين هي قدرتهم على الاستقراء والتفكير بشكل جيد في الأشياء.

من جهة ثانية، تشير (ريبيكا لينش) البالغة من العمر 34 عاماً، ومبتكرة “introjis”- أو ما يسمى بالرموز التعبيرية للانطوائين- بأنها تختلف مع (بالساري بالسولي)، فتبعاً لها، حتى وإن اضطر المنفتحون على إجبار أنفسهم لقضاء بعض الوقت لوحدهم، فإنه من الواجب عليهم فعل هذا، حيث أن الانطوائيين المتطرفين يكونون أكثر وعياً لأنفسهم عندما يكونون بحاجة لعزل أنفسهم عن الآخرين وقضاء بعض الوقت بمفردهم، لأنهم يكونون متعبين جسدياً جرّاء التواجد مع الآخرين، أما المنفتحين فقد يستمرون بالاختلاط دون توقف، لذلك فإن قضاء الشخص لبعض الوقت مع نفسه هو أمر مهم بالنسبة للجميع، فهو الوقت الذي يتيح لنا التفكير بعمق، وهو الوقت الذي يتيح لنا القيام بالابتكارات الإبداعية.

عادة ما يكافئ مجتمعنا السلوك الانفتاحي بدلاً من الإنطوائي، ومع مرورنا بمرحلة المدارس والجامعة ومن ثم انتقالنا إلى الحياة العملية، يمكن أن يتم اعتبار قضاء الشخص لوقت مع نفسه بسهولة على أنه نوع من الكسل أو إشارة على الملل، وليس بأنه أمر مهم للصحة النفسية، ولكن وفقاً لـ(روبرت دي فريس)، المحاضر في مجال علم الاجتماع الكمي في جامعة كينت، يجب أن نتصرف أكثر كمنفتحين، لا انطوائيين.

قام (دي فريس) بتحلل دراسات سابقة، ووجد بأن المنفتحين يميلون لأن يكونوا أكثر نجاحاً، وبأنهم أكثر عرضة بنسبة 25% للحصول على الوظائف ذات الرواتب العالية، وقد تعقبت العديد من الدراسات التي قام بتحليلها الأشخاص خلال سنوات مراهقتهم وحتى مرحلة البلوغ، ووجدت بأن الأشخاص الذين كانوا أكثر انفتاحاً من الناحية الاجتماعية أثناء فترة مراهقتهم، كانوا أكثر عرضة لامتلاك حياة مهنية ناجحة عند بلوغهم، فأولئك الأشخاص غالباً ما يكونون أكثر ثقة ولباقة وحزماً، ومن السهل أن نرى السبب الذي يجعل هذه الصفات تساعدك على النجاح في الحياة الدراسية والحصول على حياة مهنية جيدة.

يضيف (دي فريس) بأنه بدلاً من القول بأننا جميعاً بحاجة لقضاء بعض الوقت مع أنفسنا، فمن الأجدر القول بأن ذلك يعتمد على الشخص وظروفه، فعلى الرغم من أن معظم البحوث الأكاديمية التي تبحث في موضوع قضاء الشخص لوقته لوحده تركز على الجانب السلبي من الموضوع، مثل الشعور بالوحدة وغياب الدعم الاجتماعي، إلّا أنه وعلى الجانب الآخر، هناك الكثير من الأشخاص الذين تطغى عليهم التفاعلية الاجتماعية المستمرة.

أخيراً، وحتى يصل الباحثون إلى استنتاج حاسم، فإن أفضل ما يمكن فعله هو محاولة اختيار الأفضل من كلا العالمين، فالعديد منا يعاني من الحرمان من الراحة، ولكن الوقوف في مكان ما في منتصف قد يبدو كمكان جيد للانطلاق منه، فقد ينتهي بنا الأمر لنحصل على قدر أفضل من الراحة ونصبح أكثر سعادة في العمل ونجد بأنه من الأسهل أن نقول بأننا نفضل مجرد البقاء في المنزل في بعض الأحيان.

 

عن الكاتب

مترجمة متخصصة بترجمة المقالات العلمية وأحد أعضاء فريق الترجمة في نقطة، خريجة كلية الآداب والعلوم الإنسانية من جامعة حلب سوريا، اختصاص اللغة الانجليزية.

شاركها