fbpx

طبيعة الأواصر الكيميائية

بقلم: أ.د. نصرالله محمد دراز

أستاذ علم المواد والنانوتكنولوجى

المركز القومى للبحوث- الدقى – مصر

سعى حثيث من كافة المخلوقات، فى الكون الشاسع المترامى الأطراف، الى الاستقرار الذى لن يكون الا من خلال أواصر معينة بل محددة تحديدا دقيقا. يسعى الانسان الى الاستقرار من خلال علاقات أو أواصر مقننة بتقنية عالية الأداء. كان الاستقرار الانسانى فى الزواج بغية اللجوء الى الهدوء والسكينة والتكاثر والاعمار. بل كان الانسان أكثر استقرار بوجود العلاقة بين الأباء والأبناء ناهيك عن علاقته التشاركية فى بعض أو كل معاملاته المالية. وكأن للاستقرار الانسانى صور كثيرة تختلف فى شكلها ولكنها تتفق فى جوهرها من حيث الوصول الى هذا الاستقرار فى أقل وقت ممكن وبأقل مجهود بل وبأقل تكاليف. استقرار انسانى من خلال التآثر بين الأفراد، تآثر قائم على الاتحاد بكافة أشكاله وألوانه بين هؤلاء الأفراد. اتحاد أو اعتصام بحبل التجمع وعدم التنازع للابتعاد عن الفشل وضياع البصمة الانسانية كما جاء فى قول الله عز وجل ” وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا”(آل عمران: 103). هكذا يبدو استقرار الكائنات الحية، والذى لايختلف عنه قيد أنملة استقرار المكونات غير الحية من المواد والجوامد.

الأواصر الكيميائية

هى روابط جاءت طواعية من دون حول لها ولا قوة لتجسد أهم ظاهرة كونية شملت كافة المخلوقات والتى كانت فى تماسك الذرات أو اعتصامها بحبل ذو مواصفات معينة لتكون جزئ أو بللورة المادة أو غير ذلك من متراكبات المادة. سلكت المواد نفس المسلك الذى سلكه الانسان، سارت على الدرب سعيا وراء الهدف فحققت الغاية التى كان مبتغاها الاستقرار. استقرار ذرى فرض نفسه فرضا، فان تماسكت الذرات بأواصر معينة،  كانت الجزيئات المستقرة تحتوى على ذرات أكثر استقرارا من تلك الغير مرتبطة لما لها من طاقة أقل. تعددت الأواصر الكيميائية واختلفت من حيث طبيعة تكوينها أو ألية تماسك الذرات المكونة لها، فوجدنا الأواصر الأيونية والتساهمية النقية والتساهمية القطبية والهيدروجينية. ان كان للأواصر الكيميائية طبيعة أو آلية تكوين أيونية أو تساهمية أو مختلطة، فلابد لهذه الأواصر من وسيلة تحقق بها طبيعتها. وهنا نجد الوسيلة الوحيدة أو حجر زاوية تكوين الأواصر الكيميائية الكائن فى الالكترون أو الألكترونات الموجودة فى مستويات الطاقة المحيطة بنواة الذرة. ونخص بالذكر الالكترونات الموجودة فى مستويات الطاقة الخارجية للذرات المتحدة أو المتساهمة والتى تحكم عليها الطبيعة فرضا الاتحاد والتماسك من خلال عمليتن متعاكستين هما الفقد والاكتساب لهذه الالكترونات أو التساهم والتشارك الالكترونى داخل الحيز الجزيئى أو ما يطلق عليه المدار الجزيئى. الكترونات هذا المدار الجزيئى، قد تتمركز على ذرة أو ذرات معينة وقد تكون غير متمركزة بين ذراتين أو أكثر. وكأن تمركز الكثافة الالكترونية أو عدم تمركزها بين ذرات المادة هو مايحدد نوع الأواصر أو الروابط الكيميائية الموجودة فى المادة. نظريات كثيرة تناسقت فيما بينها وتناقضت تناقضا جوهريا مع بعضها كى تواكب تفسير تكوين الأواصر الكيميائية المختلفة، فكانت نظرية تكافؤ الرابطة ونظريات الفيزياء التقليدية مفاتيح أبواب كل من الأواصر التساهمية والأيونية على التوالى، فى حين كانت كيمياء الكم ونظرية الاندماج الخطى للمدارات الجزيئية هى مصابيح تفسير تكوين المتراكبات أو المعقدات الفلزية.

الدرب الأيونى

الدرب الأيونى هو طريق تكوين الأواصر أو الروابط الأيونية التى تأتى من خلال قوى التجاذب بين الأيونات الموجبة والأيونات السالبة،  أيونات مختلفة الشحنة اتخذت من الدرب الأيونى طريقا لها. علاقة قوية فى صورة أيونية جاءت من ثآثر الألكترونات (السالبة الشحنة ) مع النواة (الموجبة الشحنة) وكذلك تآثرها فيما بينها. تآثر بين بروتونات نواة ذرة عنصر فلزى وما تدور حولها من الكترونات سالبة الشحنة، تآثر يؤدى فى نهايته الى فقد الكترونات مستوى الطاقة الخارجى لهذا العنصر.ومن ثم تحول ذرة الفلز المتعادلة الشحنة الكهربية الى أيون موجب أكثر استقرارا. ولكن هذا الاستقرار الأيونى الموجب استقرارا وهمى لايدوم كثيرا حتى يصل الى الاستقرار الحقيقى بتماسك هذا الأيون الموجب مع أيون أخر مخالف له فى الشحنة. أيون موجب يبحث عن استقرار دائم من خلال البحث عن رفيق درب وصديق أيونى سالب جاء من خلال تآثر بين بروتونات نواة ذرة عنصر لافلزى مع مايدور حولها من الكترونات سالبة الشحنة فى مستويات الطاقة المختلفة، تآثر يحرك محيط عملية الاكتساب الالكترونى التى تستحوذ على الالكترونات المفقودة من ذرة العنصر الفلزى وعندها تتحول ذرة اللافلز المتعادلة الشحنة الى الأيون السالب المرغوب فيه. تتآثر الألكترونات التى فقدت من ذرة الفلز مع رفاقها فى مستوى الطاقة الخارجى لذرة اللافلز، لتكلل رحلة الكفاح بكامل صور النجاح ببزوغ شمس عملية التجاذب والتماسك الأيونى للأيونات الموجبة والسالبة وبالتالى تكوين الرابطة الأيونيةأواصر أيونية تحتوى على الكترونات يتمركز معظمها حول ذرات معينة وكأن الكثافة الالكترونية تتمركز حول ذرات بعينها.  درب أيونى لن يسمح بالسير فيه الا للعناصر التى يكون ناتج الفرق بين سالبيتها الكهربية أكبر من 17/10 وبالتالى تنشأ الرابطة الأيونية بين العناصر المختلفة كالموجودة بين كل من ذرتى الكلور والصوديوم.

الدرب التساهمى

 هو درب التعاون والمشاركة الالكترونية التى غالبا ما تكون بين ذرات اللافلزات. درب تآثرت فيه الالكترونات السالبة الشحنة مع البروتونات الموجبة الشحنة، تآثر رفض رفضا تاما التضحية بأى الكترون من الكترونات الذرة نظرا للتقارب الشديد بين هذه الالكترونات والنواه الذى اعتمد فى قوته على صغر الحجم الذرى لذرة اللافلز. وكأننا أمام فخ قد حيك بذرة العنصر اللافلزى، فخ لابد من التغلب عليه والخروج منه وهذا لن يكون الا بالتعاون والمشاركة بين الذرا ت التى أوقعتها طبيعتها فى هذا الفخ. مد يد العون والمساعدة، هى ضرورة ملحة تفرض نفسها على كل ذرة تسير فى الدرب التساهمى وذلك من خلال مشاركة كل ذرة بالكترون أو أكثر فى تكوين الرابطة التساهمية. وكأننا أمام جمعية تعاونية  بين الذرات تمثلت فى عدد معين من الالكترونات يجب أن يتواجد فى مستوى الطاقة الخارجى لكل ذرة وكأن كل ذرة تملك امتلاكا خاصا الكترونات المشاركة. درب تساهمى لن يسمح بالركوض فيه الا للعناصر التى يكون ناتج الفرق بين سالبيتها الكهربية فى المدى ما بين صفر وأقل من 17/10 وبالتالى تنشأ الرابطة التساهمية بين العناصر المختلفة كالموجودة فى جزئ غاز الهيدروجين وجزئ غاز الأمونيا وجزى غاز الميثان. درب تساهمى تفرعت منه ثلاثة دروب صغيرة عبرت عن ثلاثة أنواع للرابطة التساهمية بين ذرات العناصر، رابطة تساهمية نقية ورابطة تساهمية قطبية ورابطة تساهمية لاقطبية (وسطية). أواصرتساهمية تحتوى على الكترونات  أو كثافة الكترونية تتمركز فى فى مستويات الطاقة التى تكاد تكون بين الذرات التى تسعى للتماسك والترابط كما فى الروابط التساهمية النقية والتى تكون قيمة الفرق بين السالبية الكهربية لذراتها هى الصفر. وأواصر تساهمية تحتوى على الكترونات أو كثافة الكترونية تكاد تكون مرتكزة عند أحد الذرات دون الأخرى مما ينتج عنه شحنة سالبة جزئيةعلى أحد جوانب الرابطة التساهمية وشحنة أخرى أقل سالبية تعامل كما لو كانت شحنة موجبة جزئية على الجانب الأخر منها كما فى الروابط التساهمية القطبية والتى تكون قيمة الفرق بين السالبية الكهربية لذراتها هى أكبر من 4/10 وحتى 17/10 . علاوة على وجود أواصر تساهمية أخرى تحتوى على كثاقة الكترونية غير منتظمة حول الذرات المتعاونة فى تشييد الرابطة التساهمية اللاقطبية  والتى تكون قيمة الفرق بين السالبية الكهربية لذراتها هى أكبر من الصفر  وحتى 4/10 .  وبالنظر الى الدرب التساهمى من بعيد بنظرة شمولية، نرى وجود  درجة من درجات عدم تمركز الإلكترونات  والتى تمكننا من القول بأن الالكترونات تقضي وقتا أطول حول ذرة معينة أكثر من ذرة أخرى وطبقا لهذا الاختلاف فى الوقت ينطلق قطار الروابط التساهمية المختلفة النقية والقطبية وغير قطبية.

 

 

أ. د. نصرالله محمد دراز
أستاذ علم المواد والنانوتكنولوجى، كاتب علمى، المركز القومى للبحوث، مصر