نقطة أخبار العلوم صناعة العلم وتطبيقاته

صناعة العلم وتطبيقاته

ما بين القديم والحديث كان هناك حديث بلغ من الأهمية مكانة عالية لدرجة أنه قد يبدو للبعض حديثا عبثيا ما كان له أن يكون. صمت القديم قليلا وأخذ نفس عميق وحاول أن يتمالك أعصابه الملتهبة من محاولة تجاهله بجهالة قد تبدو أنها غير متعمدة. ابتسم ماهو حديث أو جديد بسمة خفيفة ممتزجة  بمعان ممتلئة بالحزن والسخرية، حزن على كل ما يلاقية القديم وأصحابه، وسخرية من من يدعون أنهم أصحاب كل ماهو جديد. تساقطت أوراق الشجر الأخضر وطار غراب أرضها ولم لايسمع منه الا نعيقه وذهب ذميم العصافير وغابت شقشقتها عندما انكسر جناح كل ما هو قديم لدرجة أن الألم الشديد قد أصاب قلوب العقول وأضاع عقول القلوب العاشقة للقديم وأصحابه. ففى القدم لن تجد الا الأصالة وعبق التاريخ، فلولا الماضى ما كان الحاضر ولولا الحاضر ما كان هناك أمل فى المستقبل. فالقديم هو سر حياة الحديث، فلا صعود لأى تطور أو أى ابتكار الا من خلال ما كان قديما. فآصالة الحداثة والتطور هى من آصالة وقوة القديم ومن ثم فالقديم هو صناعة الحديث.

صناعة العلم

من المعلوم بالضرورة أن الصناعة فى أصلها عبارة عن عملية تحويلية معقدة للمواد الخام الطبيعية بهدف الحصول على مواد وسيطة أو نهائية مطلوبة وضرورية لإشباع حاجات معينة، مفاد هذا أن الصناعة هى اقتصاد الاقتصاد أو تعظيم الاقتصاد أى تحويل المواد الأقل فى أهميتها الاقتصادية الى مواد أخرى ذات أهمية اقتصادية كبيرة. فان كان هذا هو مفهوم الصناعة فان صناعة العلم تكاد تكون هى أصل بل أهم كل الصناعات، ويعلم هذا جيدا كل صاحب فكر متطور وعقل سليم. ان الدول المتقدمة قد تداركت معنى صناعة العلم، فتطورت وازداد تطورها تطورا فكانت تكنولوجياتها الحديثة التى وفرت لها كل سبل الحياة العصرية. فلم تفرق الدول المتقدمة بين صناعة العلم وتطبيقاته فكلاهما عندها على نفس الدرجة من الأهمية والاهتمام. وعلى الجانب الأخر، نجد آخرون يغلبون تطبيقات العلم على صناعته، فهم فى عجلة من أمرهم يريدون الاستمتاع برائحة الوردة وشكلها دون رعايتها أو الاهتمام بها. ولكن يا هل ترى ماهى صناعة العلم؟. ان صناعة العلم تقوم فى الأصل على المعرفة التى قد تبدو للعامة أننا لسنا بحاجة اليها، لدرجة أنك عندما تتحدث عن نظرية النسبية للعالم ألبرت أينشتاين تجد أكثرهم يردك بقوله لا حاجة لنا فيها الأن كوننا فى عصر التكنولوجيا. ان هؤلاء لا يعرفون صناعة العلم بل لا يتلمسون غير تطبيقاته التى لا يدركون منها أى شئ، فهم يرغبون فى استخدام الكمبيوتر دون الحاجة الى معرفة صناعته العلمية وكأننا أمام مستهلك لمستهلك. ان كانت الذرة هى وحدة بناء المادة، فان صناعة العلم هى وحدة بناء المجتمع الحديث بما يشمله من تطبيقات وتكنولوجيا العلم، العلم بمفهومه الواسع الشامل لكل العلوم. ولن تجد هذه الصناعة العلمية الا فى العلوم الأساسية التى لا ينضب معينها كماء زمزم المباركة، فالعلوم الأساسية هى حكمة كل تطبيقات العلم وتكنولوجياته. هذه حقيقة لا يجحدها غير جاهل أو غبى لأن العلوم الأساسية ما هى الا “طَعَامُ طُعْمٍ وَشِفَاءُ سَقَمٍ” لدرجة أن اللجنة العلمية لجائزة نوبل تبحث دوما عن أصحاب الأبحاث التى صنعت العلم قبل أن يتحول هذا العلم الى تطبيق. ومن أهم العلوم الصانعة للعلم علوم الرياضيات والفيزياء……ألخ والتى قد يفر من دراستها الكثير من طلاب العلم، وذلك لن يرجع الا لصعوبة دراسة هذه العلوم وحاجتها للكثير من الجهد الجهيد والمثابرة والتشجيع المستمر الذى فقد عند الفرد والمجتمع نتيجة لبعد المردود وغوص الثمرة فى قلب محيط الزمن المترامى الأطراف. فالفرد فى المجتمعات النامية فى عجلة من أمره، فهو لا يبحث الا عن الشجرة السريعة الاثمار حتى ولو كانت هذه الثمرة لحظية وقليلة الفائدة أو ذات آثار جانبية، وكأننا أمام من يؤسس لفراغ أت لا محالة فالمهم عنده يومه غير مهتم بغده المعبأ بكل ألوان الندم والألم. ففقدان بصر وبصيرة نجده عندما نبتعد عن صناعة العلم، بل وغباء جهل نستبينه عندما نستهين بهذه الصناعة.

صناع العلم

يعمل صناع العلم فى صمت فى محراب علمهم دون انتظار أى مدح أو أى ثناء أو حتى تكريم من أحد، فهم هواه للعلم لا يكترثون كثيرا بجهل الجهلاء وغباء الأغبياء على الرغم من أن هذا قد يؤلمهم بعض الشئ لأنهم لا ينتظرون أى شكر من أحد ولكنهم وفى الوقت نفسه لا ينتظرون أيضا أى قذف من غبى أو جاهل. فصناع العلم غالبا لا يبحثون عن تطبيق أو تكنولوجيا لأن شغلهم الشاغل هو محاولة فهم قوانين الطبيعة ومكوناتها الأساسية، وهم فى هذا الصدد تجدهم  مشغولين بالسعى القوى خلف إيجاد حلول لأسئلتهم المطروحة التى كانت سببا أساسيا فى الوصول الى وضع نظرياتهم.  كما أن صناع العلم غير مطالبين بالبحث فى تطبيق ما يدرسونه أو ما يقترحونه حتى وان كانت نتائجهم سلبية فهذه عندهم وعند العلماء كافة عنوان للحقيقة. كما أنهم ” صناع العلم ” لم يتوقعوا أو يتصوروا أن ما صاغوا من نظريات وما توصلوا اليه من نتائج ستحظى يوما ما بالكثير من التطبيقات المتتالية. ان تأخر تطبيق النظرية بعض الوقت، فان هذا التأخير لن يدوم بل سيأتى الوقت وتتوافر أليات هذا التطبيق بواسطة جهد علماء آخرين، فكم من نظريات قد ظهرت نتائجها التجريبية بعد مرور سنين من وفاة أصاحبها. فهذه نظرية النسبية الذائعة الصيت والتى نشرت ولأول مرة في بداية القرن العشرين بعد تعديلها للأسس النظرية لميكانيكا نيوتن، والتى جاءت الأن لتفسر حقيقة الثقب الأسود وذلك على يد الفائز الأول بجائزة نوبل  لعام 2020 م “روجر بنروز” العالم البريطانى من جامعة اكسفورد. وهذه  أيضا نظرية ماكسويل (نظرية توحيد القوى فى الطبيعة) التى صيغت فى 1887م والتى جاء بها  العالم  كلارك ماكسويل موضحا فيها  أن المجال الكهربى والمجال المغناطيسى وجهان لعملة واحدة ألا وهى المجال الكهرومغناطيسى الذى يعد هو الأساس الذى بنيت عليه كل أنواع الأجهزة التى تتعامل مع الموجات الكهرومعناطيسية ٬ مثل الراديو والتليفزيون والرادار… إلخ.

 

الحلقة المفقودة بين صناعة العلم وتطبيقاته

ان فقدت الحلقة الرابطة بين صناعة العلم وتطبيقاته كانت العشوائية هى عنوان الواقع المجهول الهوية، وكانت البصمة المميزة للذات غائبة بل ومنعدمة، ومن ثم سوف تغيب الحضارة ويفقد الأثر. وما من رابطة بين صناعة العلم وتطبيقاته الا بالتركيز على درجة الوعى الذى يعتبر فى حد ذاته بمثابة القنطرة الملحية فى الخلية الجلفانية. فبدون الوعى لن نصنع العلم أو بمعنى أدق لن نمتلك القدرة على اكتشاف العلم وفهم قوانين الطبيعة ومن ثم سوف نفقد هويتنا ولن نستطيع تطبيق العلم بل سنصبح من مستهلكى تطبيقات العلم وتكنولوجياته، وفى هذا خطر شديد وانصياع لمبدا التبعية المطلقة واهدار لكل الثروات الطبيعية والبشرية. فبالوعى لن يسلب صناع العلم حقهم وسينالون من التشجيع والتكريم ما يحفزهم نحو الفهم الصحيح لقوانين الطبيعة الذى سوف يؤدى بدوره الى ازدهار صناعة العلم  ومن ثم تنامى التطبيقات العلمية وظهور أجيال جديدة ومتجددة من التكنولوجيات المستقبلية البازغة. فبالوعى نستطيع أن نقول لصناع العلم ” نحن لم ولن ننساكم”، كما أننا لن نعرقل خطاكم لأننا بكم ولكم من أجل غد أفضل وصناعة علم تساوى تطبيقات وتكنولوجيات هذا العلم.

أ. د. نصرالله محمد دراز
أ. د. نصرالله محمد دراز
** أستاذ علوم المواد والنانوتكنولوجى، ** أحد أفضل 2% من العلماء حول العالم طبقا لقائمة ستانفورد الأمريكية، ** المركز القومى للبحوث - مصر