ركب الحقيقة وطوفان الواقع

قد يكون هناك فرق كبير بين الواقع والحقيقة، الواقع الذى يفرض كل أحكامه على كل محكوميه. فللحقيقة نواميس لن تتغير بتغير الزمان أو المكان، أما الواقع ولأنه واقع فانه يتغير بتغير المكان والزمان ومن ثم تغير كل مكونات هذا الواقع.

ركب الحقيقة 

يضم ركب الحقيقة كل من سيطر ضميره على كل أفعاله التى اتفقت كلها أو معظمهما مع مبادئ العدالة. فالعدالة هى عنوان الحقيقة التى لايستقيم قوامها الا بها. فركب الحقيقة لا تصدر عنه كلمة فى غير موضعها، فقد تختلف البيئة المكانية والزمانية بمن هم فى هذا الركب  المهيب ولكن لا تختلف مواقفهم أبدا حتى ولو كانت أمام سلطان جائر، فالحق عندهم حق والباطل عندهم باطل ولا يعرفون متشابهات الأمور. يرفع الركب رايته البيضاء الناصعة البياض وسط شدة ظلام الواقع الذى يتغير أصحابه بتغير مصالحهم، فلا ضمير عندهم ولا حتى عقل ينآى بهم ويطهر قلوبهم الشديدة الظلمة. وقد يكون عدد أصحاب ركب الحقيقة قليل ولكنه مؤثر وموجع للواقع الذى تمتلئ ساحته بمن هم دون المستوى الرفيع المنشود من كل طالب للسلم والأمن الاجتماعى. أصحاب ركب الحقيقة يتألمون فى صبر منقطع النظير، ويمسكون بجمرة الواقع سعيا وراء الحقيقة التى تظهر جلية فى حكم ضمائرهم، فهم أصحاب بصر وبصيرة يفحصون ويمحصون بها كل الأشياء. وكثيرا ما يفترق أصحاب ركب الحقيقة ولكنهم على موعد أت لا محالة لايمانهم الشديد أن الضمير هو أصل كل الأشياء التى لن تكون صالحة الا بصلاحه. ان كبير ركب الحقيقة يعلم أصحابه أن ميزان ذهب الحقيقة لن يكون الا فى الضمير الحى، وأن الضمائر منها الحى ومنها الميت ولا ثالث لهما. فان مات الضمير، مات الانسان ومن ثم لا بقاء لماضى نتحدث عنه ولا لحاضر نعيش فيه ولا لمستقبل نسعى للوصول اليه. فمحكمة ركب الحقيقة لن تجدها الا فى عدالة ضمائرهم التى تطابقت مع كل ما جاء به المنطق والعقل.

طوفان الواقع وهتلريته

طوفان الواقع يضم بين طياته امواج متلاطمة لبحر أو محيط واقع يفرض، غالبا ان لم يكون دائما، كلمته على كل من اعتلى مياهه. فالواقع بحر هادئ عندما تتبع قوانينه وهائج عندما تخالفها. فطوفان الواقع قد يفرق أصحاب ركب الحقيقة، وغالبا ما يفرض كلمته عليهم دون رغبة منهم فى ذلك. فطوفان الواقع هو هتلر الحياة الكائن فى تدمير كل من يقف أمامه. ومن هنا كان للذكاء الاجتماعى دوره الحيوى فى عقد الصلح بين ركب الحقيقة وهتلرية الواقع. فالذكاء القائم على اخضاع الواقع للحقيقة هو أعلى درجات الذكاء. فالحكمة لن تكون الا فى سلامة الفكرة وهدوء الوسيلة والوصول بها الى الهدف النبيل بأقل الخسائر التى لابد من وقوعها. وان لم تتواجد علاقة السببية بين الواقع والحقيقة، فلن يكون هناك أى نوع من أنواع التصالح وسيفرض الغباء سلطانه وتتفاقم المشاكل، وفى النهاية سيفرض الواقع كلمته على الحقيقة التى سوف تغيب والتى قد يفقد الانسان حياته من أجلها. انه صراع غير متكافئ هو ذلك الصراع القائم بين الواقع والحقيقة التى لن تكون الا فى وجود الضمير الحى. والحال هكذا، فان الحقيقة لن تكون أكثر من نقطة فى بحر الواقع الذى قد يلفظها فى أى وقت كى تتبخر تاركة دنيا الواقع العالية الأمواج المتناحرة. 

Total
0
Shares