خداع العقل: كيف يعمل السحر؟

2 أبريل , 2016

شاركها

مصدر المقال

المصدر

الرابط المختصر لهذا المقال

https://www.nok6a.net/?p=20239

يكفي أن يقوم الساحر بفرقعة أصابعه ليجعل كرة تختفي أمام عينيك، ولكن كيف يمكن لهذا أن يحدث؟ نحن نمتلك فهماً جيداً لكيفية تصرف الكائنات من حولنا ونعرف بالتجربة أن الأجسام لا يمكن ببساطة أن تختفي في الهواء، ولكن هذا هو بالضبط ما نراه!

يعتبر السحر أحد أقدم أشكال الفن، ومنذ أن بدأ تدوين السجلات المكتوبة، كان السحرة يحيرون ويذهلون الجمهور من خلال خلق أوهام مستحيلة، ولكن على الرغم من أن معظم الحيل يحتفظ بها السحرة كأسرار ثمينة، إلّا أن العلماء بدؤوا بدراسة السحر لاكتساب نظرة ثاقبة عن السبب والكيفية التي يتم من خلالها خداع عقولنا بهذه السهولة.

يسمح لك السحر بتجربة المستحيل، حيث أنه يخلق صراعاً بين الأشياء التي تعتقد بأنها لا يمكن أن تحدث، والأشياء التي تواجهك حقاً، وفي حين أن بعض السحرة يودون منا أن نعتقد بأنهم يمتلكون قوى سحرية حقيقية، إلا أن السر الحقيقي وراء السحر يكمن في الأساليب النفسية الذكية التي تستغل القيود الموضوعة على الطريقة التي تعمل بها عقولنا، والعديد من هذه القيود هي غير بديهية، وهذا هو السبب الذي يجعلنا نختبر العالم سحري العجيب للمستحيل.

كيف؟ دعونا نبدأ مع الأساسيات، تعتبر الرؤية من أكثر الإحاسيس موثوقية لدينا، وهي تؤثر على العديد من أفكارنا وسلوكياتنا، وفي الواقع، الرؤية مهمة جداً لدرجة أننا في كثير من الأحيان لا نصدق بالأمور حتى نراها بأعيننا، ولكن تبين بأن التجارب البصرية يمكن أن تكون أقل موثوقية بكثير مما كما نعتقده بشكل حدسي، حيث أنه من السهل نسبياً تشويه هذه التجربة الحسية، وهذه التشوهات تصبح واضحة جداً عندما ننظر إلى الوهم البصري.

تحدث الأوهام البصرية عندما يكون هناك عدم تطابق بين التجربة الحسية والحالة الحقيقية للعالم، ففي وهم مولر لير، الصورة السابقة، يظهر الخط الأعلى أقصر من أسفل، على الرغم من أنهما يمتلكان ذات الطول بالضبط.

رؤية المستقبل

نحن غالبا ما نستغرب من الكيفية التي تخدعنا بها هذه الأوهام، ولكن اتضح أن قسماً كبيراً من إدراكنا هو في الحقيقة وهم، فسواء أكنا نسير في الشارع أو نحاول كشف خدعة البطاقات، فنحن بشكل حدسي نعتقد بأن أعيننا ببساطة تلتقط صور صادقة عن العالم، ولكن الحقيقية فإن تجربة الرؤية لدينا تنتج عن عمليات عصبية معقدة تعطينا توقعات ذكية عما يبدو عليه العالم، وكما هو الحال مع جميع التوقعات، فهي لا تكون صحيحة 100% أبداً، وهذا يؤدي إلى حدوث الأخطاء، وهذه الأخطاء هي ما يحاول السحرة اتقانه واستغلاله.

على سبيل المثال، فإن وهم اختفاء الكرة هي واحدة من الخدع التي قام الباحثون بدراستها، وفي هذه الخدعة، فإن الساحر يلقي بالكرة في الهواء عدة مرات ثم يجعل الأمر يبدو وكأن الكرة تختفي من خلال التظاهر برميها مرة أخرى عندما تكون ما تزال في واقع الأمر مخفية سراً داخل يده، وما يثير للدهشة حول هذا الوهم هو أن معظم الأشخاص – ما يقرب من ثلثي الأشخاص – يرون الكرة وهي تقذف في الهواء في الرمية الثالثة، على الرغم من أنها في الواقع لا تترك يد الساحر أبداً، والسبب في رؤية هذه “الكرة الشبحية” هو أننا نرى ما نعتقد بأنه سيحدث، وليس ما يحدث فعلاً، وبهذا يبين هذا الوهم بأن الأشخاص يرون الأشياء التي يعتقدون بأنها سوف تحدث في المستقبل، حتى عندما يكون هذا الاعتقاد لا أساس له تماماً.

 

تجاهل الحاضر

المفهوم الخاطئ الآخر الذي يرتبط بالتجربة البصرية يتعلق في كمية التفاصيل التي نعتقد بأننا ندركها، فحدسياً نحن نشعر بأننا ندرك معظم محيطنا، ولكن تبين بأن هذه التجربة الذاتية الحية والمفصلة هي في الحقيقة وهم قوي آخر، وهو أيضاً غير بديهي، وبالتالي معرض أيضاً لأن يتم استغلاله من قبل السحرة.

إن معالجة كميات كبيرة من المعلومات يمكن أن يكون أمراً مكلفاً حسابياً، فإذا كنت ترغب في معالجة الكثير من المعلومات البصرية، تحتاج لدماغ كبير، ولكن الأدمغة الكبيرة تأتي بتكاليف باهظة، لأنها تتطلب رؤوساً كبيرة والكثير من المواد الغذائية لتقديم الدعم لها، ولذلك بدلاً من التطور إلى مخلوقات تمتلك عقولاً عملاقة، طورنا إستراتيجيات فعالة للغاية تسمح لنا بتحديد أولويات جوانب البيئة التي قد تكون ذات أهمية بالنسبة لنا، ولكنها في ذات الوقت تتجاهل الأشياء التي قد تكون أقل أهمية.

ما يعنيه هذا هو أنه ما لم تكن تولي اهتماماً بشيء ما فإنك ببساطة لن تراه، والظواهر مثل العمى غير المقصود أو عمى التغيير هي في الحقيقة نتيجة لهذا، حيث يفشل الأشخاص بالرؤية الفورية للتغييرات التي عادة ما تكون واضحة جداً لهم لأنهم ببساطة لم ينتبهوا إليها، ومن إحدى الأمثلة القوية جداً على هذه التصرف هو أن الأشخاص يمكن حتى أن يفشلوا في رؤية غوريلا تقف أمام أعينهم تماماً إذا ما كانوا مشتتين بما فيه الكفاية.

كثيراً ما يستغل السحرة هذه القيود في الإنتباه من خلال تشتيت اهتمامنا ومنعنا من رؤية التحركات السرية التي يقومون بها، وقد أظهرت بعض الأبحاث كيف يمكن لهذا أن يستخدم لمنعنا من رؤية الأحداث بشكل واضح تماماً.

في خدعة أخف الولاعة، على سبيل المثال، يجلس الساحر على الطاولة أمام المشاهدين (a)، ثم يمسك بالولاعة ويشعلها (c–f)، وبعد ذلك يدعي بأنه أخذ الشعلة بعيداً وجعلها تختفي، مؤدياً بذلك خدعة بصرية كفيلة بتضليل أعيننا بعيداً عن يده الأخرى، في (f) تظهر الولاعة وهي تسقط بشكل واضح في حضنه (g–h)، وبهذا تظهر الولاعة وكأنها اختفت، وذلك على الرغم من أن أنها سقطت في حضنه بشكل واضح على مرأى ومسمع من جميع المشاهين، ولكن مع ذلك، نجد بأن نصف المشاهدين قد فشلوا تماماً في رؤية هذا لأنهم ببساطة كانوا مشتتتين بيده الأخرى.

ما تظهره هذه الخدع وغيرها، هو أن الأشخاص غالباً ما يفشلون في رؤية الأشياء حتى عندما يكونون ينظرون إليها مباشرة، لذلك لا تكن واثقاً جداً بما تريك إياه عيناك في المستقبل، فأنت لا تعرف أبداً ما الذي يحدث حقاً.