تحفيز الدماغ الكهربائي يعزز اليقظة لمدة طويلة

في حال كنت مرهقاً أو متعباً إثر ليلة سهر طويلة، ولكنك مجبر للذهاب إلى العمل بنشاط وحيوية ويقظة لأداء عملك، أغلبنا في هذه الحالة يقوم باحتساء كوب ساخن من القهوة، لتحفيز يقظتنا طوال النهار، ولكن للأسف فإن تأثير الكافيين لا يستمر إلا لساعات قليلة، الآن تصور أنك تستطيع وضع جهاز صغير على رأسك وأنت بطريقك إلى العمل، يحتوي هذا الجهاز على وصلات كهربائية للدماغ، وبعد 20 إلى 30 دقيقة من التحفيز، ستصبح جاهزاً لأداء عملك طوال اليوم بنشاط وحيوية ويقظة.

هذا التصور لم يعد وهماً بعد الآن، حيث قام باحثون من الولايات المتحدة باستخدام تقنية التحفيز الكهربائي للدماغ لتعزيز يقظة العسكريين الذين يعملون في قاعدة للقوات الجوية، وتم إجراء التجارب على الرجال والنساء البالغين الذين يبلغ عمرهم من 18 إلى 42 عاماً ممن يخدمون فعلياً في المجال العسكري، وبالنتيجة تبين أن نصف ساعة من التحفيز الكهربائي للدماغ حسنت من يقظة المشتركين ضعف ما يحسنه الكافيين، كما استمر تأثير هذا التحفيز ثلاث مرات أكثر من تأثير الكافيين.

الهدف من استعمال تقنية تحفيز الدماغ بهذه التجربة، هو لمساعدة المحللين العسكريين للبقاء يقظين لفترات طويلة، وهؤلاء المحللين مهمتهم تحليل الصور لتحديد الأهداف العسكرية، وهم يقضون ساعات وهم منكبين على هذه المهمة، ويوضح (اندي ماكينلي) قائد البحث والطبيب النفسي في شركة (Infoscitex) للتكنولوجيا، بأنه في سلاح الجو يتم إجراء الكثير من المهام الاستخبارية، وإن العاملين المجهولين والذين يعملون خلف الستار هم المحللين الذين يقضون ساعات طويلة وهم يبحثون عن الأهداف، مثل المركبات أوالمباني أو غيرها، والمشكلة تكمن بأن العمل الذي يقوم به هؤلاء المحللون لا يمكن أتمته، فليس هناك خوارزمية معينة يمكن تطبيقها على الكمبيوتر لاختيار الأهداف بشكل آلي، وبالتالي فإن هذا العمل يجب أن يتم من خلال جهد بشري محض، لذا فإن السعي الحالي يتجه نحو مساعدة المحللين للبقاء متيقظين وبأتم الجاهزية لأوقات طويلة.

التجربة تمت على 30 موظفاً عسكرياً ممن أمضوا يومهم بشكل طبيعي في العمل، قبل أن يتوجهوا إلى المختبر للمشاركة في الدراسة، حيث امتدت الدراسة طوال الليل، لدرجة أن المشاركين ظلوا مستيقظين لمدة 30 ساعة متواصلة، كل ساعتين كان المشاركون يبلغون عن شعورهم وردة فعلهم حول الاختبار، كما تضمنت التجربة إخضاع المشاركين لاختبار اليقظة، والذي يتضمن المراقبة المستمرة لنقطة مضيئة تتحرك بشكل محدد ضمن محيط دائرة، وبين الحين والآخر (كل نصف ساعة تقريباً) تقوم هذه النقطة بتغيير مسارها فجأة، حيث تقفز إلى موقع معين، وكلما حدث ذلك، كان يتوجب على المشاركين القيام برد فعل يتضمن الضغط على الزر، وذلك بهدف تقييم يقظتهم وجهوزيتهم وانتباههم.

في تمام الساعة الرابعة صباحاً، وهو التوقيت الذي يكون فيه الأداء المعرفي عادة في أدنى مستوياته، قام العلماء بإعطاء جميع المشاركين علكة وقاموا بتوصيل أقطاب كهربائية إلى رؤوسهم، وبدون علم المشاركين تم تقسيمهم إلى ثلاث مجموعات، المجموعة الأولى حصلت على علكة كافيين ولكن كانت الأقطاب الكهربائية الموصلة إلى رؤوسهم وهمية (لم يتم توصيل الكهرباء إليها)،  أما المجموعة الثانية  فكانت العلكة التي يمضغونها وهمية (خالية من الكافيين) وتم إخضاعهم لـ 30 دقيقة من التحفيز الكهربائي للجانب الأيسر من الدماغ في منطقة تسمى قشرة الفص الجبهي، وهي المنطقة  المسؤولة عن الذاكرة القصيرة الأمد والانتباه، أما المجموعة الثالثة والأخيرة فحصلت على علكة وهمية (خالية من الكافيين) وكانت الأقطاب الكهربائية الموصلة إلى رؤوسهم وهمية (لم يتم توصيل الكهرباء إليها)، وبعبارة أخرى، هذه الفئة كانت بمثابة مجموعة ضابطة لم يتم اعطائها أي نوع من التحفيزات أو المنشطات على الإطلاق.

بالنتيجة تبين أن المجموعة التي حصلت على علكة الكافيين فقط والمجموعة الضابطة (التي لم تحصل على أي علاج)، كانت بدايتهم جيدة ومن ثم انخفض مستوى أدائهم بشكل سريع، أما المجموعة التي تم إخضاعها للتحفيز الدماغي فقد استمر أدائها بذات المستوى الجيد لمدة ست ساعات، وعند إعادة اختبار اليقظة للمشاركين في الساعة الثامنة صباحاً، سجلت المجموعة التي خضعت للتحفيز الكهربائي نتيجة تقدر بـ 60 من أصل 100 في الاختبار، أما المجموعة التي حصلت على علكة الكافيين فقط والمجموعة الضابطة فسجلت نتيجة تقدر بـ 30 من أصل 100، كما أن مجموعة التحفيز الكهربائي حققت درجات أفضل من المجموعتين الباقيتين في اختبارات التعب والنعاس والطاقة.

يقول (ماكينلي) بأن الفرق كان كبيراً ما بين المجموعات، وعلى الرغم من أنه كان من المتوقع أن تكون النتائج في مصلحة المجموعة التي خضعت للتحفيز الدماغي، ولكن الغير متوقع كان طول الفترة التي حسّن فيها التحفيز الكهربائي من يقظة المشاركين، فالكافيين كان له تأثير سريع على أداء المشاركين، ولكن تأثيره لم يستمر إلا لمدة ساعتين، بينما استطاع التحفيز الكهربائي تحسين أداء المشاركين لمدة ست ساعات متواصلة.

تقنية التحفيز الدماغي التي تم استخدامها بالتجربة تسمى بالتحفيز بالتيار المباشر عبر الجمجمة (tDCS)، وهذا التحفيز يؤدي إلى تنبيه الخلايا العصبية في الدماغ بسهولة، ويعتقد بأن السبب في الأثر الطويل نسبياً لهذا التحفيز، كونه يحدث تغييرات تستمر لفترات أطول في التوصيلات العصبية، ويعمل الباحثون حالياً على إيجاد طرق لجعل آثار التحفيز تستمر لمدة أطول.

تتوفر أجهزة (tDCS) أو الأجهزة المماثلة لها ضمن الأسواق، وعلى الرغم من الفوائد التي يمكن للشخص أن يجنيها من هذه الأجهزة، إلا أن مجموعة من الباحثين أثارت عدة مخاوف بشأن الانتشار غير المسؤول لهذه الأجهزة، فالجمهور قد لا يكون على دراية بالمخاطر المرتبطة بالتحفيز الكهربائي للدماغ، خاصة على الأطفال، ومن بين أبرز هذه المخاطر هي النوبات العصبية وتغيرات المزاج، حيث يشير بعض الباحثون إلى أنه على الرغم من أن بعض علماء الأعصاب متفائلين تجاه احتمالات استخدام أجهزة (tDCS) في الحالات المرضية أو في الحالات غير المرضية، إلا أن العديد من هذه الأجهزة يتم بيعها حالياً في الأسواق بدون تنظيم أو مراقبة، ويبرر العلماء وجهة نظرهم بأن تنظيم بيع هذه الأجهزة من شأنه أن يكفل أمنها وآثارها على الأشخاص الذين يريدون استخدامها، فضلاً عن أن التنظيم يوضح للعامة فوائد ومحاذير استخدام هذه الأجهزة بشكل واضح وصريح، وهذا يغلق الباب أمام التجار والمستثمرين الجشعين دون استغلال حاجة الأشخاص لهذه الأجهزة بدون أن يبينوا لهم مخاطرها ومحاذير استخدامها.

Total
0
Shares
1 comment
  1. رائع جدا
    قرأت عن هذه التقنية في مواقع أخرى ولكن الشرح المقدم في هذه المقالة وخاصة لجهة شرح مناطق التحفيز الدماغي مختلف عن جميع المواقع الاخرى
    سلمت يداكم

Comments are closed.