نقطة أخبار العلوم الmRNA، طفرة في عالم الأدوية واللقاح

الmRNA، طفرة في عالم الأدوية واللقاح

ما هو الmRNA؟

الحمض النووي الريبوزي الرسول أو الmRNA، هو نسخة من الحمض النووي الخاص بجين (gene) معين. 

سمي بالرسول لأنه يخرج من النواة إلى السيتوبلازم في الخلية ليشارك في عملية تصنيع البروتينات وبدونه لن يستطيع الجسد استخدام الحمض النووي الموجود في النواة.

وهو عضو أساسي في هذه العملية، حيث أنه يحمل الكود الجيني الخاص بالأحماض الأمينية التي هي مكعبات البناء الأساسية لأي شيء في جسم الإنسان.

هنا يأتي مفعوله السري ضد الأمراض، فهو ليس جزيئات علاجية أو مواد كيماوية كالمألوف من الأدوية، بل يمثل مجموعة من التعليمات وكأنه يحتوي على الوصفة المضبوطة لترياق المرض أو الاضطراب، الذي يخرج للنور عند تصنيع الخلايا للبروتينات التي يستهدفها الmRNA.

متى نشأت الفكرة؟

بدأت الفكرة من قرابة الثلاثة عقود عندما قام جاي آي وولف وعلماء آخرون معه بتصنيع بعض الmRNA في أنابيب مختبرية، ثم حقنه في عضلات فئران التجارب.

فوجدوا أن العضلات التي تم حقنها قد قامت بعملية تصنيع البروتينات المسؤول عنها الحمض النووي المحضر خارجيا بنجاح.

لم يتم تفعيله في العمليات العلاجية آنذاك نظرا لقصر عمره وأنه لم يكن يصمد طويلا في الجسد بالقدر المطلوب ليحدث الأثر العلاجي.

كما أنه نتج عنه ردود فعل مناعية من الجسد في بعض المرضى محدثا أعراضا جانبية يصعب التعامل معها.

ولكن في السنوات التالية لاكتشافه، كرس العلماء جهودهم في دراسة هيكله وجزيئاته وتوفير التكنولوجيا المستخدمة في هندسة الجينات لشريحة أعرض من الباحثين والعلماء للتغلب على تلك المعوقات.

الطفرة التي كانت مفتاح اللغز:

في أوائل القرن الحادي والعشرين، اكتشفت كاتالين كاريكو ودرو وايسمان (عالمان من جامعة بينيسلفانيا) أن تغيير ترتيب بعض النيوكليوسيدات (وهي مكعبات التكوين الأساسية للmRNA) ينتج عنه تقليل رد فعل الجسم المناعي للحمض النووي المحقون وأيضا يزود كميات البروتينات التي ينتجها الجسد منه مما يضاعف أثره العلاجي ويجعله معتبرا.

كما وصلا لتقنية تطيل فترة بقائه في الجسد وتساعده على دخول الخلايا المستهدفة بفاعلية وهي أن يتم تغليفه بكبسولات دهنية (capsules of lipid nanoparticles) تحميه من التأثر بأي مادة في الدم قبل الوصول للسيتوبلازم الخاص بالخلايا.

لقاحات الmRNA و السرطان:

براد كرمر هو مندوب مبيعات ذو 52 عاما من ولاية ماساتشوستس، مصاب بالميلانوما (نوع من سرطان الجلد) التي انتشرت لتصيب كبده وعموده الفقري.

انتظر شهورا ليحصل على جرعة من لقاح الmRNA التجريبي (BNT122)، تدهورت فيها صحته وخسر بضعة كيلوجرامات من وزنه، ولكنه سرعان ما استجاب للعلاج في خلال أسابيع من حصوله على الجرعة، فكان يقول “لقد كنت أرى الخلايا السرطانية تتقلص بأم عيني”.

تضرب تلك الحالة مثلا في كيف أن هذه التقنية واعدة ومبشرة.

فهي تدرب خلايا الجسد المناعية على التعامل مع الخلايا السرطانية الجديدة ومنع انتشار الورم الحالي وكأن الجسد يعالج نفسه بنفسه.

فقد أظهرت التجارب السريرية المبكرة التي أجرتها شركة بيونتيك الألمانية في مدينة ماينز عام 2017، وهي الشركة التي صنعت لقاح كرمر، استجابة مرضى الميلانوما الثلاثة عشر الذين تم تلقيحهم بهذا المنتج الذي صنِع بشكل شخصي بناء على المعلومات الجينية لكل واحد منهم، وتضاءلت نسبة إصابتهم بأي انتشارات خبيثة من ورمهم على الرغم من تقدم مرحلة مرضهم آنذاك.

وفي الاجتماع السنوي للرابطة الأمريكية لطب الأورام في شهر يونيو من عام 2017، سجلت شركة مودرنا ما توصلت له من نتائج في التجارب الإكلينيكية وهو أن اللقاح (mRNA-417)، الذي أيضا يصمم خصيصا لكل مريض بناء على المعلومات الجينية لورمه، قد نتج عنه ردود فعل مناعية ناجحة ضد التشوهات الجينية التي تتسبب في الأورام .

وعند استخدامه مع عامل محفز، نجح في تقليص أورام 6 من أصل 20 مريض ممن حصلوا على الجرعة، مما أيد الخطوة التالية لمودرنا في شهر يوليو وهي دراسة متابعة على 150 من المرضى.

وفي أثناء تطوير اللقاحات الشخصية للمرضى، ثابرت شركات مختلفة مع مودرنا وبيونتك مثل شركة كيورفاك الألمانية في تصنيع واختبار لقاحات mRNA أخرى أقل خصوصية من تلك المصنعة بشكل شخصي لكل مريض، التي على الرغم من أنها قد تكون أقل قوة إلا أنها يتم إنتاجها في وقت أقل ولعدد أكبر من المرضى إن لم يكن لهم جميعا، كما أنها لن تكلف الشركات قدرا مماثلا من الموارد والأموال.

لقاحات الmRNA لتجديد الأنسجة المصابة:

في 2010 بادر عالم من جامعة هارفارد يدعى ديريك روسي، بتصنيع mRNA يحول الخلايا العادية إلى خلايا جذعية (يمكن أن يتم توليد أي خلية أخرى منها).

وشاركه في أبحاثه العالم كينيث تشيين وقاما بالانضمام إلى شركة فلاجشيب للريادة حيث قاما بتصنيع حمض نووي يحقن للفئران فتنتج أجسادهم بروتينات مماثلة لبروتينات كبدية تدور في الدم.

ثم انضما إلى شركة مودرنا حيث تمكنا من تصنيع mRNA يجعل الجسد ينتج عامل نمو لأغشية الأوعية الدموية والذي نجح في إعادة تجديد الأنسجة المدمرة في قلوب الفئران المصابة بذبحات صدرية عند حقنهم به مباشرة في القلب.

فعامل النمو ذاك كان معروفا عنه أنه يعالج إصابات أنسجة القلب، إلا أن عند حقنه مباشرة إلى القلب لم يستمر فترة كافية ليعيد تجديد النسيج المصاب بكامله وهذا ما فرقه عن العلاج بالmRNA الذي عند حقنه، يمكن الخلايا من تصنيع عامل النمو بالقدر الذي تحتاجه.

وشاركت شركة أسترازينيكا مع شركة مودرنا في إكمال الدراسات على هذا المنتج في الفئران والخنازير حتى وصلوا في 2013 لتجربته على مرضى الذبحات الصدرية الحديثين في تجارب سريرية تخطت المرحلة الثانية.

لقاحات الmRNA والأمراض المعدية

وجد الباحثين أن اللقاحات التقليدية قد فشلت في خلق مناعة مستدامة من الفيروسات التي قد تحدِث عدوى مزمنة أو متكررة مثل  HIV-1، HSV ، RSV، كما أن الوقت الذي تستغرقه عملية انتاجها يجعلها غير مؤهلة للسيطرة على انتشار سريع لفيروسات جديدة مثل ما حدث مع مرض الإيبولا وفيروس زيكا.

على عكس لقاحات الmRNA التي تستطيع أن تستهدف شريحة أعرض من الفيروسات والتي تجرى عليها الأبحاث العلمية الآن مثل فيروس السعار والCMV والإنفلونزا وغيرهم.

كما أن عملية إنتاجها تستغرق وقتا أقل بالمقارنة مع اللقاحات التقليدية، ففي عام 2013 عند انتشار فيروس الإنفلوانزا في الصين، استغرق العلماء في منشأة نوفارتس بكامبريدج 8 أيام فقط لتحضير لقاح محتمل من الmRNA، وعلق على ذلك آندي جيل (رئيس فريق الباحثين في نوفارتس) قائلا أن نفس العملية قد تستغرق 6 أشهر أو أكثر مع اللقاحات التقليدية.

وهو ما جعل لقاح الmRNA اللقاح المثالي للتعامل مع كوفيد 19 طبقا لمركز مكافحة الأمراض.

فسرعان ما توفرت المعلومات الكافية عن جسم فيروس كورونا المستجد بدأ الباحثين بتصميم لقاح يجعل الجسم ينتج بروتينات شبيهة ببروتينات الفيروس لكنها لا تسبب المرض، لتتفاعل معها الخلايا المناعية وتنتج أجساما مضادة تكون جاهزة للتعامل مع الفيروس حال الإصابة به في أي وقت.

واللقاحات المصرحة من قبل منظمة الغذاء والدواء حاليا هما لقاح شركة فايزر بيونتك ولقاح شركة مودرنا.

كما ترى عزيزي القارئ، من المتوقع لهذه التقنية أن تكون الرائدة من نوعها بمرور الوقت.

بل أن العلماء توقعوا لها مستقبلا أن تعالج أكثر من مرض بلقاح واحد وتقي من تكرارهم كذلك.

تقول الأستاذة بولا كانون -طبيبة الميكروبيولوجيا في كلية الطب بكارولينا الجنوبية- “بلقاح الmRNA، يإمكانك تصميم الحمض النووي الذي تريد من على حاسوبك وتمتلك الجهاز الذي سيصنع منه البروتينات مباشرة بسهولة نسبية.”

“لقد كنا محظوظين بوجود تلك التقنية وفاعليتها في عام 2020 عندما كنا في أمس الحاجة لها.”

تم انتاج الصورة بواسطة شركة materialsolved المختصة بانتاج الصور العلمية الدقيقة والجذابه بأسلوب سهل ومتاح للجميع باحدث انواع التكنولوجيا و ندعم الباحثين و المجتمع العلمي لنشر المعرفة و تبسيط العلوم. زوروا صفحتنا على الفيسبوك .https://web.facebook.com/materialsolved/?_rdc=1&_rdr

Avatar
NadeenYasser
خريجة كلية الطب بجامعة عين شمس أقضي سنتي التدريبية حاليا. كاتبة مقالات طبية وأحب البحث العلمي كما أنني ممتنة لانتمائي لفريق مجلة نقطة العلمية.