fbpx
المناعة النفسية

المناعة النفسية، هل لها لقاح محدد يقينا من أخطارها؟

المناعة النفسية تشبه المناعة الجسدية كثيرا، إلا أنها أكثر فردية وتعقيدا، فصحيح أن كلتيهما تتحفزان عندما يتم تحديهما، الأولى بالضغوطات النفسية بشتى أنواعها والثانية بتعرضها لأجسام غريبة كالبكتيريا والفيروسات، إلا أن تعقيدها يرجع بشكل أساسي إلى المقومات المتداخلة للصحة النفسية.

فالصحة النفسية تعتمد على شق معرفي وشق عاطفي وشق فسيولوجي. وهي أشمل من مجرد غياب المرض النفسي، فتعريفها -أخذا عن منظمة الصحة العالمية- هو قدرة الإنسان على مواكبة ضغوطات الحياة وكونه منتجا، واعيا بقيمته، مساهما في مجتمعه.

ومع ذلك لا يعتبر المرض النفسي في القطب المعاكس للصحة النفسية، بل أن الدراسات أثبتت أن بإمكان من يعانون من أعراض نفسية أن يخوضوا حياة متكاملة مليئة بالمعنى، ولا يقف ذلك حائلا بين تحقيقهم لذواتهم وكيانهم، بل أن ما قد يمثل الحائل الأكبر هو الجهل باختلافاتهم وطبيعة احتياجاتهم النفسية بأنواعها.
والطب النفسي لا يعنى فقط بعلاج الأمراض النفسية، بل يعنى بمنعها والسيطرة على مسبباتها قبل أن تتمكن من خرق الجدار المناعي النفسي.

من أهم مقومات الصحة النفسية هي القدرة على خوض المشاعر الإيجابية. فهي توسع آفاق الإنسان الفكرية وموارده النفسية كآليات تعامله مع الضغط، كما تقول باربرا فريدريكسون (وهي كاتبة وطبيبة نفسية وأستاذة بجامعة شمال كارولينا).
ومما أثبتته الأبحاث أن قدرة الإنسان على خوض تلك المشاعر منوطة بعوامل عدة، من أهمها العامل الجيني أو الوراثي بنسبة قد تصل في البعض إلى 50%. وصحيح أن عامل كهذا وغيره يستحيل للإنسان أن يسيطر عليهم، إلا أن بإمكانه السيطرة على أثرهم بشكل كبير عبر إرساء بعض الأفكار والأفعال التي ستدعم مناعته النفسية.

سنعدد تاليا ثمانية من تلك الأفكار مع خطوات تساعد على ربطها بالواقع.

أولا، ربط الأهداف بالقيم

كثيرا ما قد تشعر بأن مساعيك وطموحاتك تغمرك لدرجة  قد تشعرك بالاستنزاف أو حتى الانفصال عن دواخلك من شدة انغماسك في ملاحقة تلك الأهداف في ذاتها دون أن يكون لها صدى في ما تؤمن به.
فلتتوقف للحظة وتعيد حساباتك وتحدد خطواتك القادمة بناء على ما تطلبه منك رؤيتك وطبيعة شخصيتك ومعتقداتك وقيمك. ولتتأكد أثناء تلك العملية أن دافعك الحقيقي نابع من داخلك وليس من توقعات المجتمع أو من ضغط الأقران مثلا، لتكون أكثر اتساقا مع نفسك.

ثانيا،أفعال اللطف العشوائية دون انتظار مقابل لها

فذلك يزيد شعورك بالاتصال بالعالم وبقيمتك الذاتية، ويساعدك على الخروج من صندوق نفسك وصب طاقتك على من حولك لبعض الوقت. مما يفيد مرونتك النفسية ويوسع مداركك الإنسانية أيضا.

ثالثا، تخصيص الوقت لممارسة الحضور الذهني

وذلك عبر أن توجه وعيك وانتباهك إلى اللحظة الحالية بدون إطلاق أي أحكام لحظية مثل (لا ينبغي أن يكون الوضع هكذا) أو الانشغال بالخطوة القادمة مثل (ماذا سأفعل تاليا، كيف سأواكب).
توقف للحظة عن القلق بشأن المستقبل أو التفكير في الماضي، ووجه كل طاقتك النفسية إلى الوقت الراهن وإعادة الاتصال بجسدك، لتحدد الحالة المسيطرة عليك، مثل: أن يتفاعل جهازك العصبي على أنك في خطر بينما ليس هناك خطر واقعي إنما هو الإحساس بالتوتر بسبب الخوف من شيء مستقبلي.
تساعد ممارسة الحضور الذهني على تقبل الواقع والاعتراف به بدلا من الغرق في عالم المشاعر أو الأفكار المبنية على أحكام وتوقعات شخصية دون وجود ما يدعمها من حقائق.

رابعا، التركيز على نقاط قوتك والتفكير في الحلول بدلا من الاكتفاء بتحليل المعوقات والغوص في تفاصيلها

فالتفكير في كيفية الوصول إلى ما تريده سيكون أكثر نفعا من دراستك التحليلية المكثفة لكل ما قد يطرأ من حواجز في طريقك.
هناك اختبارات نفسية عدة قد تساعدك على التعرف على قدراتك النفسية وقبول نقاط ضعفك بشكل أفضل مثل اختبار ال.MBTI

خامسا، ممارسة تمرينات الامتنان

أثبتت أكثر من دراسة من ضمنها بحث لبول كومينجز -كاتب أمريكي- أن أخذ الوقت للتعبير عن الامتنان والشكر على أي محاسن في حياتنا – مهما كانت بسيطة- يساعد على أن تكون نظرتنا لمواقف الحياة عامة أكثر إيجابية، ويزيد من وعينا بما يستحق التقدير، ويحدث إشباعا نفسيا لا يسمح لمنغصات الحياة أن تحتل مكانا أكبر من مكانها في أنفسنا.
أخذ وقت بسيط يوميا لاستحضار أو كتابة ولو ثلاثة أمور فقط تشعر بالامتنان عليها، أو اهتمامك بشكر أي شخص كان له أثر لطيف عليك – مهما بلغت بساطة تلك الأمور- يزيد من قدرتك على خوض المشاعر الإيجابية في الحياة عامة.

سادسا، معرفة حدود المناعة النفسية لك ولمن حولك

تقول لويس تايلر –معالجة نفسية أمريكية- أن ذلك يعني أن تكون قادرا على قول “لا” عند الحاجة، وأن تفصل المشاعر والأفكار الخاصة بك عن تلك الخاصة بمن حولك، فلا تشعر بالذنب تجاه مشاكلهم أو مشاعرهم السلبية (فأنت مسؤول تجاههم عن أفعالك  ونواياك فقط وليس نتائجها)، وألا تأخذ تعليقاتهم أو آراءهم فيك بشكل شخصي (حيث أن ليس لإنسان أن يحكم على آخر إلا لو كان قاضيا، فآراء الآخرين عنك هي أمر يخصهم ولا يعتمد عليك بالضرورة، بل ربما ينتج عن تجاربهم الخاصة أو عن رؤيتهم القاصرة للوضع أو عن سوء تعبيرهم.
ولنفصل مفهوم الأحكام مثل “أنت شخص سيء”، عن التعليق على أثر تصرفك على الآخر مثل “لقد انزعجت منك عندما تكلمت معي بهذه الطريقة”.
في المثال الأول أطلق الآخر حكما عليك وهذا تعدٍ على حدودكما النفسية، أما في المثال الثاني عبر عن مشاعره دون أن يتعدى عليها.)
إدراكك لتلك المفاهيم وأن الوعي بها قاصر في مجتمعنا سيجعلك أكثر تسامحا وهدوءا.

سابعا، الاهتمام بتنمية علاقاتك وأن تتواجد حول أفراد تشعر بتشابه معهم وتحب أن تكون مثلهم

فالرؤى النفسية للحياة تنتشر بين البشر مثل العدوى الفيروسية ، حتى أنه طبقا لستيفن بورجز -طبيب نفسي أمريكي- الجهاز العصبي الذي يستقبل لغة الجسد ونبرة الصوت هو نفسه الذي يغذي الأعصاب المتحكمة في تقليل ضغط الدم ونبض القلب عند الهدوء من بعد توتر، وهو أيضا الذي يغذي الأعصاب المتحكمة في تعبيرات الوجه.

لذلك فإن التواصل الاجتماعي والمشاركة بين البشر لها أثر كبير في الحد من أثر الضغط على الجسد وعلى الصحة النفسية.

 ثامنا، العناية بالصحة الجسدية

، فهناك مواد كيميائية يفرزها الجسم تعمل كناقلات عصبية يؤثر نقصها أو زيادتها على المشاعر والحالة المزاجية.

ولذلك فإن اهتمام الإنسان بممارسة الرياضة والغذاء المتوازن وعمل الفحوصات الصحية الدورية له دور لا يمكن إغفاله.

من المهم أن نعلم أيضا أن الضغط النفسي مفهوم يختلف من شخص لآخر حسب مناعته وصحته النفسية، فهو يحدث في أي وضع يشعر الإنسان فيه أن قدراته النفسية أو البدنية ليست كافية،  وفي تلك الأوقات يشعر الجسد بالضغط أيضا مثل النفس، فقد يرتفع النبض أو ضغط الدم، حتى أنه إذا كان الضاغط مزمنا قد يؤدي ذلك إلى حدوث التهابات في أجهزة مختلفة كالجهاز الهضمي، أو يؤثر في المناعة الجسدية، أو أن يجد العقل الواعي الضغط أكثر من قدرته على التحمل فيحوله إلى اللاوعي الذي قد يخرجه في صورة أعراض عضوية مثل الآلام. لذلك نقول أن الصحة النفسية ليست رفاهية وخصوصا أوقات الضغط.

فالضغط قد يصل لأن يحدث صدمة نفسية، يصبح التعافي منها أكثر تطلبا وإلحاحا، ولكن مع ذلك فإن الضغوطات تكسب المناعة النفسية مرونة فريدة وتعلم الإنسان طرقا للتأقلم والمواجهة أكثر وفاقا واتساقا مع نفسه والذي يسمى في حالة الصدمات النفسية بنمو ما بعد الصدمة.
ومن الضروري أيضا أن نعلم أن لكل حالة وضعها، فهذه المعلومات قد تفيد في تعزيز مفاهيم المناعة والصحة النفسية ولكنها لن تعالج مريضا، فإذا كنت تعاني من أي أعراض نفسية عليك بطلب المساعدة من مختص.

 

0 Reviews

Write a Review

Avatar
خريجة كلية الطب بجامعة عين شمس أقضي سنتي التدريبية حاليا. كاتبة مقالات طبية وأحب البحث العلمي كما أنني ممتنة لانتمائي لفريق مجلة نقطة العلمية.