المساحات الفارغة وسط العاصمة الأردنية، هل يمكنها أن تسد احتياج المملكة للقمح؟

لآلاف السنوات بقيت المجتمعات العربية مستقلة في طعامها وشرابها، تأكل مما تزرع وتقايض ما فاض عن احتياجها مع المجتمعات الأخرى القريبة منها. هذا ما تقوم عليه فكرة مؤسسة ذكرى للتعلم الشعبي. والتي لا تؤمن بحاجة مجتمعاتنا للمؤسسات الدولية المانحة أو خطط البنك الدولي أو غيرها لتحافظ على استمراريتها.

ذكرى، والتي تأسست في العام ٢٠٠٧، تعمل على إعادة اكتشاف المعرفة المحلية التي مكنت سكان قرى صغيرة في دولة مثل الأردن من الحياة الكريمة لمئات السنوات السابقة.

وتقول لمى الخطيب وهي شريك مؤسس لذكرى للتعلم الشعبي ، إن المشروع يقوم على إعادة ملاحظة القيمة في الأشياء الموجودة حولنا سواء كانت أشخاص او معرفة أو مهارات أو مصادر طبيعية، وعبر اكتشافنا لهذه القيمة، سنستطيع معرفة القيمة في أنفسنا.

وفي مهمتهم لإيجاد الحلول المناسبة للمشاكل التي يواجهها سكان الأردن اليوم، فإن فريق ذكرى يعمل على تعريف المجتمعات العربية الشابة والصغيرة في السن على المعرفة التي عمل عليها أجدادهم.

باستخدام السياحة – من المدينة إلى الريف – يستطيع أهل المدينة استلهام الثراء المعرفي من القرويين في كيفية إعادة استخدام المياه، واعادة استخدام المخلفات، وزراعة المناطق الزراعية الصغيرة جدا والإستفادة منها. كما يمكن “للسائح” أن يلحظ التضامن المجتمعي في القرى والأرياف.

القمح كغذاء استراتيجي

ولان القمح هو العصب الغذائي في العالم العربي – بلاد الشام وغيرها – حيث وجد أقدم رغيف خبز في منطقة الشوبك كما تشير بعض الدراسات[1]، واستمر هذا الاعتماد على القمح حتى يومنا هذا، إلا أن الأردن باتت تستورد ٩٧٪ من حاجتها من القمح بدلا من إنتاج فائض منه كما في ستينيات القرن الماضي[2]

شعر فريق ذكرى بالحاجة إلى إعادة قيمة زراعة القمح للأردنيين الذين يتأثر اقتصادها بشكل مباشر منه، فعملوا على زراعة أرض في مدينة السلط، الأرض المزروعة حظيت بوفرة في الإنتاج بسبب هطول كميات كبيرة من الأمطار في سنة ٢٠٢٠. مما استدعى حصولهم على مساعدة المجتمع المحلي لمشاركتهم في الحصاد.

التجربة الأولى، خلقت نسيجاً حيوياً بين سكان المجتمع والمزارعين الذين ساهموا في عملية تجهيز الأرض وزراعتها، مما دفعهم لمحاولة اعادة تكرار التجربة.

هذه المرة، أعلنت ذكرى عن فرصة للعائلات والأفراد لزراعة احتياجهم من القمح لمدة عام، بشكل جماعي تشاركي، يكون ذلك عبر استثمار مبلغ ١٢٥ دينار أردني – ١٧٥ دولار – المبلغ يكفي لتغطية تكاليف الزراعة بشكل جماعي (من كلف بذور، آليات مثل الحراثة ودراسة الحبوب وغيرها). فيما قامت الجمعية باستئذان أصحاب الأراضي في عمان الغربية لزراعة أراضيهم.

تقول لمى الخطيب،  أن هذا النوع من الزراعة صالح فقط في حالة الزراعة الجماعية، أما على الصعيد الفردي فلا يوجد فيه عائد جدوى كبير من المبلغ المستثمر.

 

في المجتمعات الفلاحية، يعمل الجميع على إنتاج أنواع مختلفة من الحبوب والخضروات، حيث يقوم الجميع بعد فترة الحصاد بالتواصل فيما بينهم والمقايضة، فيأخذ كل طرف منهم ما يحتاج إليه ويترك الفائض عن احتياجه لشخص آخر.

ما تقوم به “ذكرى” هو إعادة استعادة المساحات الزراعية داخل المدينة ومحاولة إعادة الروابط الإجتماعية التي تم تفتيتها داخل المدن، كما تقوم مثل هذه المحاولات بمقاومة الزحف العمراني غير المخطط له، والذي يقضي بإعطاء تراخيص لبناء مساكن خاصة في مناطق تصلح للزراعة البعلية، وبالتالي إفساد هذه المناطق الخصبة ذات النزول المطري الأعلى في الأردن .

وفي تجربة أخرى في مدينة السلط، قام فريق ذكرى بزراعة أرض إحدى المدارس معتمدين على الطلاب الذين ساهموا معهم في زراعة الارض وحصدها في محاولة لتعليم الطلاب بشكل عملي.

بسبب شح المياه في دولة مثل الأردن، فإن القائمين على المشروع في فريق “ذكرى” يعملوا على زراعة المناطق التي تحصل على هطول مطري أكبر خلال السنة.

ولا يبدو أن التنظيم العمراني في مدينة عمان ومن خلال أمانة عمان كان حكيما بما يكفي، وتوغلت الغابات الإسمنتية في المناطق التي تصلح للزراعة وتحصل على كميات مناسبة من مياه الأمطار سنويا.

كما أن التخطيط الزراعي في دولة الأردن يعاني من مشاكل حقيقية، فالدولة تشجع على زراعة البندورة (الطماطم) التي بات لدى الأردن فائض منها، فيما تستهلك البندورة ثلاثة أضعاف ما يستهلكه القمح من مياه.


[1] https://www.reuters.com/article/us-science-bread-idUSKBN1K62JB

[2] نشرات إحصائية زراعية صادرة عن الإحصاءات العامة.   https://www.7iber.com/politics-economics/why-jordan-stopped-producing-wheat/

Total
0
Shares