الانتقاء الجنسي

الانتقاء الجنسي: لماذا يبادر ذكور البشر بالتقدم للزواج بدلاً من الإناث؟

استلمت خطاباً صباحاً من صديقٍ قديم بألمانيا، كان يدرس علم الأحياء في جامعة ميونخ. ضم الخطاب بعض التفاصيل الخاصة به.

وأشار لزوجته في الخطاب ما أثار اندهاش، لعلمي بعدم رعبته في الزواج سابقا،  بل وتبنيه لفكرة اللا انجابية. اثار الخطاب فضولي وجعلني أريد تحديد موعد معه لرؤية من سعيدة الحظ التي قد ظفر بها وكيف فعل هذا.

عرفت من الخطاب أنها كانت صديقة قديمة، وجدير بالذكر، أنهما كانا قد افصلا منذ فترة بعيدة ، بعد فترة من الارتباط غير الرسمي دامت 7 سنوات. ظهرت في ملامح الخطاب نبرة حماسية منه وكما توقعت في النهاية، دعاني للزيارة وأنهى الخطاب بعبارة لم أفهم معناها “الانتقاء الجنسي حصل خلاص”

قررت فتح صديقي جوجل لفهم ماهية الانتخاب الجنسي وبحث وما وجدته قد كان …

نقدم لك: كيف تعالج الحيوانات نفسها بدون تدخل دوائي؟

نحن مختلفان بيولوجياً

يمتلك الرجل حيوانات منوية تقدر بالملايين، إذ تعمل الخصية كمصنع متكامل في لانتاج العديد منها يومياً، وتبدأ العملية من فترة تحديد الجنس وهو في رحم والدته.

في المقابل، عند مرحلة البلوغ للأنثى يصل عدد البويضات -في المتوسط – إلى 400 بويضة جاهزة للإخصاب. يقل عددها كل شهر في دورة الطمث، حيث تخرج واحدة كل شهر من أحد المبيضين.

تعتبر البويضة ذات محتوى غذائي أكثر من الحيوان المنوي، فهي البذرة الأولية التي سوف ينمو فيها الجنين، لذلك يجب أن تكون مجهزة بكل العناصر الضرورية المتمثلة بالبروتينات بشكل أساسي وعناصر آخرى يحتاجها الجنين أُثناء فترة نموه.

فضلاً عن الغشاء الذي يحمي البويضة ويسمى Zona pellucida . بالمقابل يمتلك الحيوان المنوي محتوى غذائي أقل، كالفركتوز سكر أحادي يساعده في طريقه حتى يصل إلى البويضة. وحمض السيتريك الذي يلعب دوراً مهماً في التغذية.

الانتقاء الجنسي
الانتقاء الجنسي: لماذا يبادر الذكور البشر في التقدم بالزواج بدلاً من الإناث؟

 

التكاثر الجنسي 

تقدم الطبيعة عملية التكاثر الجنسي هدية لمعظم المملكة الحيوانية. حيث أن التكاثر الجنسي أفضل من اللاجنسي لإنه يمنح الأجيال صفات جديدة تعزز من قدرتها على البقاء، فلا تنقرض بسهولة. 

 وعليه فإن عملية التزاوج هي عملية ضرورية للبقاء. تستثمر فيها الأنثى البويضات الثمينة و الذكر حيواناته المنوية، ويعتبر استثمار ناجح لدى الطرفين. 

لكن الاختلاف البيولوجي والعددي في الأمشاج بين الذكر والأنثى يصنع عدة قوانين تخضع لها معظم الكائنات الحية. أبسطها قانون العرض والطلب، فمثلاً تسعى الذكور دائماً لنشر الحيوانات المنوية على مستوى واسع لزيادة الجينات الخاصة بها وتعزيز من وجود صفاتها داخل القطيع ولكن ..

الرعاية الأبوية

داخل المملكة الحيوانية لا تقدم الرعاية الأبوية -من جانب الذكر والأنثى بعد الولادة- بشكلٍ كبير. 

إلا أن بعض الأنواع تقدم الرعاية الأبوية كدور فعال في استمرار النسل وجودته. على سبيل المثال، تظهر الرعاية الأبوية عند الحشرات بكثرة وبعض الطيور وأكثرهم عند الثدييات من ضمنهم البشر. 

وتعتبر عملية الزواج للإناث عملية طويلة الأجل، لأن توابع تلك العملية ستكون مكلفة للأنثى فيما بعد. فهي تحمل طفلها بالرحم لفترة من الزمن وبعد الإنجاب تظل مصدر الطعام الأساسي في الرضاعة ومصدر الرعاية الأول.

يمكن أن نستنتج الآن أن التكلفة البيولوجية – قيمة البويضات + فترة ما بعد الولادة – إجمالاً أعلى عند الإناث من الذكور في نوعنا البشري وبعض الأنواع الحيوانية الأخرى، لذلك يقع الاختيار دائماً على الأنثى لتختار الذكر المناسب لها لأنها تنفق في عملية التكاثر أكثر من الذكر.

إلا أن عملية الاختيار نفسها تتكون من عدة عوامل أخرى…. وهو ما سنتعرف عليه الأن

 

إقرأ: رحلة سريعة داخل الوحدة البنائية للكائنات: الخلية الحيوانية

منافسة قوية

 

http://www.youtube.com/watch?v=u7JF5tuBEIE

شاهدنا جميعاً المشهد المألوف في الأفلام الوثائقية لمصارعة ذكور الحيوانات فيما بينها، وذلك لفرض السيطرة. 

وعادة ما تصل لحد الإضرار بالخصم وسفك دمه. الفائز في هذه المنافسة هو الأقوى. 

في مشهد آخر، نشاهد ذكور طائر التعريشة -الملقب بـ معماري الطبيعة – يقوم ببناء منزل من الأغصان أوهياكل الخنافس الملونة وفي حالات معينة يصل طول ممر العش إلى مترين!

تتصارع الأفيال مع بعضها لفرض السيطرة القوة، وتلك المنافسة تكون مؤشر قوي لدى إناث الفيلة عن مدى نجاح العلاقة وقدرة الذكر في حماية الأنثى وأبنائها. أما عن منازل طائر التعريشة، فهي منزل عش الزوجية للأنثى، وتعتبر وسيلة من وسائل الجذب للإناث في هذا النوع من الطيور. والأمثلة من الطبيعة عديدة للغاية. وتشمل البشر أيضا.

في دراسة منشورة عام 2018 على Elsevier – واحدة من أشهر دوريات نشر الكتب والأبحاث في العالم – تقدم مؤشرات عن وجود علاقة بين صفات القوة عند الرجال كالطول، والجسم الرياضي العريض، والصوت ونجاحهم في المنافسة مع الذكور الآخرين وفرض السيطرة والقوة. إذ تعتبر تلك الصفات مؤشرات تدل على جودة الجينات، وبالتالي تحبذ المرأة إنجاب أجيال تحمل جينات تضم صفات القوة والسيطرة والقيادة.

شخصياً، أضيف المكانة الاجتماعية والدخل المادي الذي يحقق للمرأة الأمان المستقبلي لأطفالها. في الحقيقة، الدخل المادي والمكانة الاجتماعية تدل – في أغلب الأحيان- عن ذكاء صاحبها.

لذلك يمكن أن نعتبرها صفة إضافية تعزز من فرص تزاوج الذكر حاملها. وأظن أن صديقي كان يمتاز بكل تلك الصفات فهو حامل لدرجة الدكتوراه مع مرتبة الشرف.

إقرأ: محاكاة الحيوانات المفترسة

الفروقات بين صفات الجنسين

القاعدة في الحالة السابقة تقول: من سيقع عليه الاختيار يجب أن يكون مختلفاً.

تظهر الفروقات بين صفات الجنسين فيما يعرف ب Dimorphism. نجد مثلاً في ذكور الطاووس تطور بشكلٍ أفضل من إناث الطاووس من ناحية الريش. فذكور الطاووس تمتلك الريش الملون الذي يجذب انتباه الإناث علاوة على حجم الطاووس الذكر يكون أكبر منه في الأنثى. وتمتلك بعض ذكور الفراشات ألواناً زاهية أكثر منها في الإناث.

 

من الواضح أن الطبيعة تعطي الأفضلية دائماً للأجيال الناتجة من التكاثر مع وجود عوامل مثل الرعاية الأبوية وجودة الجينات يتم تحديد من الذي سيختار الذكر أم الأنثى. لكن هل تختار الذكور مثل الإناث؟

يوجد في بعض الطيور المائية ما يعرف باسم Monomorphic وفيها لا يمكنك بالنظر فقط تمييز الذكور عن الإناث في أفراد النوع الواحد. يرجع ذلك لأن ذكور بعض الأنواع لا تقوم بتطوير صفات ثانوية -كما في حالة البشر- تجعلها مميزة عن الإناث، بالإضافة إلى ان الرعاية الأبوية في الإناث والذكور متساوية بعد عملية الولادة. أي عملية الاختيار تكون متساوية لدى الطرفين.

الانتقاء الجنسي
Red-necked phalarope

في المقابل، تقوم ذكور حصان البحر بالحمل والرعاية بشكل أساسي. بلغة آخرى، حصان ذكور البحر هي التي تلعب دورالإناث في البشر لذلك يتحتم على الذكر اختيار الانثى وليس العكس. كذلك في حالة Red-necked phalarope وهو نوع من الطيور المائية تظهر فيها عملية الانتقاء من جانب الذكور وليس الإناث. فتجد الإناث تتنافس مع بعضها لكي تنال شرف التكاثر مع الذكر كما الحال في ذكور الفيلة. بالإضافة لتطوير بعض الصفات التي تظهر عليها لتعزز من فرصة اختيارها كشريك وفي تلك الحالة تسمى  Reversed dimorphism .

تظهر عملية الانتقاء الجنسي في كل المملكة الحيوانية تقريباً وتتم من خلال عدة عوامل أهمها جودة الجينات والصفات والرعاية الأبوية. وهذا ما وجدته بعد البحث وعرفت لماذا قال صديقي ذلك. حالياً، تساءلت لماذا تختار بعض الحيوانات أن يكون لها شريك واحد طوال فترة حياتها والبعض الآخر يمكن ان يتزاوج عشرات المرات طوال فترة حياته؟ الإجابة في المقال التالي.

 

Total
0
Shares