أستاذية الأستاذ وعبقرية التلميذ

بقلم أ. د. نصرالله محمد دراز

ما بين الأستاذية والتلمذة مراحل كثيرة وخبرات تشيدها السنين. يغوص التلميذ فى بحور أساتذته كى يلتقط كل غال وثمين من أعماق هذه البحور ويخرج بمخرجاته بعد جهد جهيد وعمل دؤوب وعشق متبادل ما بين الأستاذ وتلميذه. بث مباشر ودائم لسمفونية الأستاذ وتلميذه والتى سوف تجدها فى كل علم وفن جاء لنشر الوعى والادراك بين البشر في العالم أجمع على مر العصور. يختلف المكان والزمان ولكن علاقة الأستاذ بتلميذه لم ولن تختلف، علاقة تقوم أوتارها على ذوبانية كل منهما فى حبه للعلم والتعلم وتتعالى نغماتها بقدر هذه الذوبانية التى تتدرج فى مقدارها ما بين التشبع وشبه التشبع أو حتى تخطى هذا وذاك.

ماهية الأستاذ

يخوض الأستاذ عراك حياة العلم والفن آخذا من جهده وماله ووقته من أجل هدف تسامى فى علياء سماء أهدافه. يسعى كل كائن وراء هدفه ان كان مالا أو مكانة ما ولكن الأستاذ يتجلد بالصبر والحكمة من أجل هدف واحد  هو أن يترك من خلفه شئ واحد ألا وهو علم وفن ينتفع به. علم وفن الأستاذ فى تخصص ما هو صدقته الجارية فى حياته وبعد رحيله عن دنيا الناس. فقالوا عن من تناقل عنه علم ما ” أستاذ أو عالم أو فقيه ” ، كما قالوا عن من أخذ عنه فن أو صنعه ” المعلم ” كل فى مجاله كى تكتمل منظومة الحياة التى لم ولن تستغنى عن العالم والمعلم.ومن هنا كان الطرق المستمر على باب الأستاذ أو المعلم نظرا لغزارة علمه و عمق خبرته.

أستاذية الأستاذ

قديما تعلقت أستاذية الأستاذ فى علم ما بمدي مهارته واتقانه لفنون هذا العلم بل وبقدر ما يستطيع تقديمه من فتاوى بمعنى أن أستاذية الأستاذ ارتبطت ارتباطا وثيقا بقدر فقهه فى علمه حتى أصبح الأستاذ فقيها. لم يكن الأستاذ فى العصور القديمة عالما فى تخصص واحد فنجد عالمنا الجليل أبو علي الحسين بن عبد الله بن الحسن بن علي بن سينا المعروف بابن سينا أو الشيخ الرئيس أو أسطورة العلم الذى كان عالما وطبيبا مسلما، اشتهر بالطب والفلسفة واشتغل بهما، ناهيك عن عالمنا وقاضينا أبو عبد الله محمد بن إدريس الشافعيّ المطَّلِبيّ القرشيّ ثالث الأئمة الأربعة عند أهل السنة والجماعة، وصاحب المذهب الشافعي في الفقه الإسلامي، ومؤسس علم أصول الفقه، وهو أيضاً إمام في علم التفسير وعلم الحديث. هؤلاء أئمة الأساتذة وغيرهم الكثير لم ينالوا الأستاذية بوثيقة قد تحتوى على اللقب الذى غالبا ما يفقد مضمونه مع الكثيرين، بل نالوا الأستاذية على سند من الواقع الذى شهد لهم بالأستاذية التى ثبتت على أرضهم وفى زمانهم وتوارثتها وستتوارثها كل الأجيال المتعاقبة. أما حديثا، ساد الأساتذه وغابت الأساتذية فى كثير من الأحيان. تناثر اللقب (لقب الأستاذ) هنا وهناك دون النظر الى شكله ومضمونه، لدرجة أن لقب أستاذ أصبح يمنح لكل من سلك آليه محددة احتوت بداخلها شكل محدد وحد أدنى وآخر أقصى من السنين. حداثة عقيمة جردت لقب الأستاذية من شكلها ومضمونها، ومما لا شك فيه أنه عندما يفقد الشكل لا ينظر الى الموضوع أصلا، غاب شكل الأستاذية فكيف لنا أن نبحث موضوعها فى أستاذ لم يكن له من ما حصله من علم الا اللقب. أما ان كان الشكل مقبولا فحتما ولابد من فحص وتحميص الموضوع الكائن فى الأستاذية التى لم ولن تكون الا باستمرارية العطاء دون انتظار المقابل المادى أو حتى المعنوى.أستاذية الأستاذ جاءت من النبع الطيب الذى يفيض دائما بنور الحياة والقائم على أن أئمة الأساتذه هم وبلا شك ورثة الأنبياء لأنهم مصابيح الهدى الى طريق الصواب. ً

ماهية التلميذ

التلميذ يحبو فى البداية فى كنف أستاذه محبا له وآخذا منه العبرة والعظه فهو قدوته ومثله الأعلى. فيظل التلميذ ولفترة ليست بالبسيطة مستقبلا لكل ما يتلفظ به أو يفعله أستاذه، يأخذ منه الدرس تلو الدرس منظما لأرفف ما سوف يتقنه فى المستقبل من علم تأثر به وفند علومه. وللتلمذه سمات أولها الأدب والاحترام فى وجود وغياب أستاذه وآخرها تقديره لمكانته وعدم انكار فضله بعد الله عليه، ومن ثم كان لازما على الأستاذ أن يعمل على غرس هذه الأخلاقيات فى تلامذته ومعاملتهم بحسن خلق وعدم التمييز فيما بينهم. فماهية التلمذة تكمن فى ملئ الجوف العلمى واشباع النفس البحثية بكل قوة وحزم. أما من أخذ من التلمذة عادة تردد على الأستاذ لينال فى النهاية صكا واهيا بأنه اجتاز هذه المرحلة فهو عابر سبيل لم يناله من رحلته غير الجوع والعطش واضاعه وقت غيره واستقطاع مجهود الأستاذ وجعله هباءا منثورا. عابر السبيل هذا ما هو الا ظالم لنفسه ولأستاذه ولأقرانه ولن يناله الا سوء العاقبة.

عبقرية التلميذ

تكمن عبقرية التلميذ فى تخطى ما فى اناء استاذه من علم وفن وخبرة، وهذا لن يكون الا بامتلاك التلميذ كل مقومات هذه العبقرية من التمتع الكامل بكل أخلاقيات التعليم والتعلم المنبثقة من تبجيل الأستاذ والصبر والجلد على كل عثرات الطريق لأن الطريق طويل وشاق. وكأن للعبقرية عنوان معلوم لكل تلميذ لم يضل طريقه خلف وبعد أستاذه الذى لا يكل ولا يمل من غرس بذور الأستاذية فى تلميذه الذى يستحق. ان كان النظام فى الأخذ وكانت الأليات المشروعة رفيقة الدرب كانت عبقرية التلميذ قائمة وممتده الى مجاورة أستاذه ومنها الى الأستاذية. 

سيمفونية الأستاذ وتلميذه

سلم موسيقى معلوم بالضرورة بين الأستاذ وتلميذه يقوم على أسس محدده لاتختلف بين كل الأساتذه والتلاميذ. سيمفونية الأستاذ وتلميذه تتعالى نغماتها وتقع رطبة على القلب عندما تتوافر عبقرية التلميذ ويشع نور أستاذية الأستاذ. تاريخ وجغرافيا العلم لم ولن ينسى الكثير من السيمفونيات التى كانت بين الكثير من أئمة الأساتذة وتلاميذهم الذين حذوا حذوهم. لما كانت كثافة أغصان أستاذية شجرة الأستاذ خضراء، كانت ثمار عبقرية التلميذة يانعة ومفيدة للعامة قبل الخاصة من الناس. عاشت كل أستاذية كل أستاذ حق وعبقرية كل تلميذ مستحق هذه العبقرية.

Total
0
Shares