كيف غيرت التكنولوجيا من طريقة تعلمنا؟

8 مايو , 2016

شاركها

مصدر المقال

المصدر

الرابط المختصر لهذا المقال

https://www.nok6a.net/?p=18310

أشار معلق قلق حول أحد التقنيات التي كانت مكتشفة حديثاً، بأن هذا الاكتشاف سيؤدي إلى خلق فجوة من النسيان في نفوس المتعلمين، لأنهم لن يستخدموا ذاكرتهم إذا ما تعودوا على استخدامه، وسينتهي بهم الأمر لسماع الكثير من الأشياء، بدون أن يستفيدوا منها، وسوف يبدون وكأنهم ملمين بجمع جوانب العلم، دون أن يعلموا أي شيء، وسيكونون أشخاصاً مملين يظهرون الحكمة دون أن يمتلكوها.

هذا الكلام جاء على لسان سقراط، الذي كان يتحدث عن تقنية الكتابة.

بعد مضي ألفي عام، تغيرت التكنولوجيا، ولكن الحوار بقي نفسه، فالجميع يفترض بأن الفيسبوك، الهواتف الذكية، وألعاب الفيديو سيئة لنا كبشر، فهي تتلف تركيزنا، وتؤدي إلى هبوط مستوانا الدراسي والعلمي.

رغم أنه ليس هنالك من شك في أن تكنولوجيا المعلومات يمكن أن يكون لها مضارها على سلوكياتنا اليومية، إلّا أن الأدلة التي تشير إلى أن أجهزة الكمبيوتر تضر بأدمغتنا قليلة نسبياً، بل في الواقع هناك بعض الأدلة التي تشير إلى أن أجهزة الكمبيوتر قد تجعلنا أكثر ذكاء، ولو بنسب قليلة.

تم عرض فكرة أن التكنولوجيا قد تكون قادرة على تعزيز أدمغتنا من قبل (ألفريد سبكتور) نائب الرئيس الأبحاث في جوجل في 21 من تشرين الأول في قمة الأفكار ذات التأثير المغيّر على العالم (World-Changing Ideas Summit) التي تم عقدها في نيويورك، حيث أوجز خلالها (سبكتور) الطرق التي يمكن من خلالها حتى لأبسط التطبيقات أن تحسن الطريقة التي نفكر ونتعلم بها، فتبعاً له، أصبح كل جزء تقريباً من تكنولوجيا المعلومات أفضل بمليون مرة مما كان عليه عندما كان (سبكتور) طالباً مستجداً في الجامعة، وهناك أسباب للاعتقاد بأن ذلك سيؤثر على التعليم.

بالنسبة لبعض المتعلمين المتحمسين، فإن الثورة قد بدأت بالفعل، حيث شهدت السنوات القليلة الماضية ارتفاعاً سريعاً في التطبيقات التي تهدف إلى مساعدتنا في استيعاب المواد الجديدة بدون جهد يذكر، فمثلاً هناك حوالي 40 مليون شخص يستخدمون تطبيق (Duolingo) –وهو تطبيق يدرّس اللغات الأجنبية من خلال ألعاب مسلية-، في حين تهدف برامج مثل ((Cerego و(Memrise) لتدريس موضوعات أكثر عمومية، بناء على فهم الباحثين المتزايد للطريقة التي يتعلم فيها الدماغ المعلومات وينساها.

ولكن تبعاً لـ(سبكتور)، فإن هذا ليس سوى غيض من فيض، فبحسب البحوث، بإمكان الطلاب ذوي القدرات المتوسطة أن يصلوا إلى صفوة الـ2% الأعلى في صفوفهم إذا ما استطاعوا الحصول على معلم شخصي يمكنه أن يكيّف أساليب تدريسه مع أسلوب الطالب في التفكير والتعلم، وبناء عليه، يشير (سبكتور) أنه يمكن تحويل التكنولوجيا لتصبح معلماً متوائماً مع احتياجات كل طالب، وبذلك يصبح بالإمكان تصور التحسينات الهائلة التي يمكن أن تطرأ على مجال التحصيل العلمي.

في الواقع، فإن تطبيقي (Memrise) و(Cerego) يستخدمان هذه الإستراتيجية بالفعل إلى حد ما – من خلال تتبع الأنماط التي يتذكر من خلالها الأشخاص المعلومات وينسونها – ولكن هناك أنماط أكثر تطوراً قد تظهر مع مرور الوقت، وبعبارة أخرى، يمكن أن تسمح لنا التكنولوجيا أن نتمتع بمزايا لم تكن متاحة سوى للأطفال الأغنياء.

أشار (سبيكتور) أيضاً إلى أن المصممين بدؤوا بالفعل يتقنون الطريقة التي يمكن من خلالها خلق بيئات جذابة –من خلال ألعاب الفيديو- تهدف إلى إضفاء طابع من المتعة على عملية الدراسة التي عادة ما تتميز بالملل، فبحسب (سبكتور)، أصبح هناك تطبيقات وبرامج مثيرة جداً لدرجة تجعل الأشخاص يلعبون ألعاب الفيديو لساعات وساعات في اليوم، ويتعلمون بذات الوقت أشياء ومعلومات جديدة دون أن يشعروا بالملل، وبالإضافة إلى الفائدة، فقد أشارت (دافني بافيلير) من جامعة روتشستر، نيويورك، بأنه من خلال تركيز الإنتباه الذي يحدث بطريقة سهلة وسلسة، يمكن للبيئات الغامرة أيضاً أن تساعد في تحسين قدرتنا على “التعلم الإدراكي” – ذلك النوع من الذاكرة التي تسمح لك بتعلم العزف على آلة موسيقية، أو تعلم لغة أجنبية، وهي القدرة التي تضعف بالغالب بعد مرحلة الطفولة.

من ناحية أخرى، يقول (سبكتور) بأن الشبكات الاجتماعية يمكن أن تستخدم لزيادة التفاعل بين الطلاب، حيث يشير (سبكتور) بأنه ذاته تعلم من زملائه الطلاب بقدر ما  تعلم من أساتذته، والجدير بالذكر هو أن جزء كبير من شعبية التطبيقات مثل (Memrise) يعود في الحقيقة لقدرة المستخدمين على تبادل الخبرات فيما بينهم من خلالها.

يعترف (سبيكتور) بأن آفاق التكنولوجيا قد تبدو أسهل من أن تصدق في الوقت الحالي، كما قد تبدو وكأنها مخصصة لجذب فئة معينة فقط من المستخدمين، ولكن الحماس الواضح الذي يبديه الأشخاص الذين يستخدمون تطبيقات مثل (Duolingo) يوحي بأن هناك اهتمام حقيقي بها، وقد يكون هذا كافياً للبدء حالياً، فالعديد من التكنولوجيات اللازمة أصبحت موجودة بالفعل، ولا تحتاج سوى لأن يتم تقديمها بطريقة أكثر جاذبية.

إذا ما حدث هذا، فإن (سبكتور) يعتقد بأن مجتمعاتنا قد تتغير بطريقة جذرية، فتبعاً له، هذه التغييرات قد تلغي الحاجة إلى المدارس، ففي الماضي كان لا بد لنا من الذهاب إلى المدرسة للحصول على التعليم الرسمي، فخيار التعلم الوحيد كان محصوراً بلذهاب إلى مكان معزول للحصول على العلم، أما الآن، فلم يعد علينا القيام بذلك، لأن هذه الطريقة بالتعليم أصبحت اختيارية وليست إجبارياً، ومن جهة أخرى، قد يؤثر دخول وتطور هذه التكنولوجيات على تقليل عدد السنوات التي يقضيها الطلاب في الجامعات للحصول على الاختصاص الذي يريدونه، وهذا سيسمح لهم بالراسة والتخرج باستخدام التعليم عن بعد، ونظراً لأن هذا النهج لا يقوم بجمع الطلاب وإعطائهم المواضيع في فئة واحدة – بل يقدم نهجاً أكثر تخصصاً لك فرد – فإن هذا قد يعني بأن طلاب المستقبل سيكونون قادرين على انتقاء واختيار الفروع والمواضيع والاختصاصات الأكثر جاذبية بالنسبة لهم، وتجنب تلك التي قد تكون مملة أو متعبة وفقاً لرؤيتهم.

على الرغم من حماسه الواضح، فإن (سبكتور) يدرك بأنه قد يكون هناك بعض الجوانب السلبية غير المتوقعة لهذا النوع من التعلم غير المجهد، وينبغي أن يتم التحقق منها، فكيف يمكن مثلاً أن تعلمنا التكنولوجيا كيف نكون صبورين؟ خاصة وأن صورة مستقبل التعليم الذي تقدمه لنا تتضمن تعلم جميع الأشياء عن طريق لعب الكمبيوتر، فكيف إذن سنتعلم أن نتعامل مع التحدي الذي يتضمن مثلاً قضاء ليلة كامله ونحن نحاول قراءة رواية صعبة وكتابة ملخص لها؟ بحسب (سبكتور) فإن هذا سيكون ثمناً قليلاً يدفعه بعض الأشخاص مقابل الخصول على طريقة سهلة في التعلم، ستجعلنا أكثر ذكاء وأكثر إبداعاً.