كيف تعمل المضادات الحيوية

28 ديسمبر , 2014

شاركها

مصدر المقال

المصدر

الرابط المختصر لهذا المقال

https://www.nok6a.net/?p=10162

قبل أن تتوفر لدينا المضادات الحيوية، كان الإنسان يعتمد على عدد قليل من الخيارات فيما يتعلق بعلاج الالتهابات، حيث كان الحل إما بالانتظار حتى تتحسن العدوى من تلقاء ذاتها، أو أنه كان يُعمد إلى إزالة الإصابة من الجسم بطريقة جراحية، وقد استمر الوضع على هذا النحو حتى تم اكتشاف المضاد الحيوي لأول مرة في عام 1928 – عن طريق المصادفة – وذلك عندما عاد الباحث (الكسندر فليمنغ) إلى مخبره بعد عطلة نهاية الأسبوع، ووجد أن هناك نوع معين من العفن، يدعى بنسيليوم نوتاتوم (Penicillium notatum)، قد استطاع إيقاف نمو المكورات العنقودية من نوع (ستاف) – وهي نوع من البكتيريا التي يمكن أن تسبب التهابات جلدية والتهابات رئوية وبعض الأمراض التي تنقلها الأغذية، وغيرها من الأمراض- والتي كانت توجد في أطباق بتري في المختبر، كما أنه وبالإضافة لنجاح هذا النوع من العفن بقتل المكورات العنقودية، كان قادراً أيضاً على إيقاف فعالية أنواع أخرى من البكتيريا، بما في ذلك العقدية، والمكورة.

تعمل المضادات الحيوية بفعالية ضد الالتهابات البكتيرية، وهذا ما دفع الكثير من الأشخاص على مر الزمن لاستخدامها كعلاج للالتهابات المختلفة، ابتداءً بالتهاب الحلق إلى التهابات المثانة والعديد من أنواع الالتهابات الجلدية الأخرى، لكنها ليست بتلك الفعالية عندما يتعلق الأمر بالعدوى الفيروسية، حيث أن المضادات  الحيوية لا تعالج النزلات البردية، ولاتعالج معظم حالات الأنفلونزا التي تسبب السعال أو التهاب المعدة والأمعاء (والذي غالباً ما تتم الإشارة إليه بطريقة خاطئة باسم “أنفلونزا المعدة”).

على الرغم من أن جميع المضادات الحيوية تستطيع قتل أو إيقاف نمو البكتيريا، إلّا أنه ليس بالضرورة أن تكون جميع أنواع المضادات الحيوية فعالة ضد ذات البكتيريا، كما وأنه ليس بالضرورة أن تكون جميع أنواع المضادات الحيوية تحارب البكتيريا بذات الطريقة، لذلك فإن نوع المضادات الحيوية التي يصفها لنا الطبيب لعلاج العدوى، يعتمد على نوع البكتيريا المسببة لها في بادئ الأمر.

تجدر الإشارة إلى أن معظم البكتيريا تنقسم إلى نوعين أساسيين: بكتيريا إيجابية الغرام، وبكتيريا سلبية الغرام، ويعود هذا التقسيم أساساً، إلى نوع الجدار الخلوي للبكتيريا، فالبكتيريا الإيجابية الجرام – مثل العقدية – يكون جدارها الخلوي وحيد الطبقة ورقيق، وقابل للاختراق بسهولة، أما البكتيريا السلبية الجرام – مثل الايكولاي – فإن جدارها الخلوي يتكون من طبقتين، مما يجعله سميكاً وأقل قابلية للاختراق، لذلك، ولكي يستطيع المضاد الحيوي علاج العدوى البكتيرية بنجاح، فإن عليه أن يكون قادراً على اختراق كلا نوعي جدران الخلايا البكتيرية.

تعمل المضادات الحيوية بإحدى الطرق التالية: إما عن طريق التدخل بقدرة البكتيريا على إصلاح حمضها النووي التالف، وذلك من خلال وقف قدرتها على تصنيع ما تحتاج إليه من مواد لإنماء خلايا جديدة لها، أو عن طريق إضعاف الجدار الخلوي للبكتيريا حتى تنفجر.

معظم المضادات الحيوية التي توجد في الأسواق تعتبر مضادات حيوية ذات طيف واسع، وهو ما يعني أنها فعالة ضد الكثير من الأنواع المختلفة للبكتيريا، سواء الإيجابية الغرام أو السلبية الغرام، لذلك فإن هذه المضادات الحيوية تكون قادرة على إزالة العديد من أنواع الالتهابات البكتيرية، ومن أنواع هذه المضادات الفلوروكينولونات (الذي يستخدم لعلاج التهابات المسالك البولية والالتهابات الرئوية والجمرة الخبيثة) والتتراسيكلين (الذي يستخدم لعلاج كل شيء ابتداءً بحب الشباب وانتهاءً بمرض السيلان، وكذلك قرحة المعدة)، أما المضادات الحيوية ضيقة الطيف، فإنها لا تكون فعالة سوى ضد فئات معينة من الالتهابات، فهي تكون قادرة على استهدف إما البكتيريا السلبية الجرام أو الإيجابية الجرام، ولكنها لا تستطيع استهدافهما معاً، وذلك مثل البنسلين، الذي يعمل على تدمير بنية جدار الخلية، وهو الطبقة التي تمسك بالخلية بكاملها، وكذلك الأمر بالنسبة للمضادات الحيوية السكرية التي تعمل أيضاً على تدمير هيكل جدار الخلية، حيث أنها تمنع البكتيريا الإيجابية الجرام تحديداً من بناء جدران جديدة لها – ومن المعروف بأن الخلية لا يمكنها العيش بدون وجود جدار يمسك بمكوناتها الداخلية.

أما الطريقة الثانية التي تعمل فيها المضادات الحيوية، فهي منع الخلايا البكتيرية من تصنيع ما تحتاج إليه من مواد لتتكاثر من الداخل إلى الخارج، حيث تعمل هذه المضادات الحيوية كمثبطات لتصنيع البروتين، ومثال على ذلك (الاريثروميسين) الذي يعمل عن طريق تقييد جزيئات محددة من الخلية الريبوسومية، مما يدمر قدرتها على تشكيل البروتينات التي تحتاجها الخلية للنمو، والـ(سلفوناميدات) الذي يعمل على استهداف المسارات الأيضية للخلية عن طريق تقييد أنزيم يسمى بالـ dihydropteroate synthase)) (DHPS) الذي يقوم بدوره بتقييد قدرة البكتيريا على تصنيع حمض  معين، وعندما تتوقف قدرة الخلايا البكتيرية عن استقلاب حمض الفوليك، لا يعود بإمكانها النمو أو التكاثر.

كانت المضادات الحيوية تعتبر في فترة من الفترات على أنها معجزة طبية، إلّا أن تناولها لا يخلو من بعض المخاطر، حيث ارتبط تناول بعض المضادات الحيوية مع حدوث بعض الآثار الجانبية المؤذية، فأحياناً تقوم المضادات الحيوية بقتل البكتيريا الجيدة التي تعيش داخل الجسم، وقد يتسبب ذلك بحصول الالتهابات المهبلية (ما نسميه عادة عدوى الخميرة)، وكذلك اضطراب في المعدة والإسهال، والعديد من المشاكل الأخرى، لذلك فإن الإكثار من استعمال المضادات الحيوية يمكن أن يتسبب بحدوث مشاكل أيضاً، كما أن تناول المضادات الحيوية بكثرة، يسهم في جعل البكتيريا أكثر مقاومة للمضادات الحيوية.

أخيراً، فإن استخدم المضادات الحيوية يخضع لنظام معين يحدده الطبيب المعالج، فتناول المضادات الحيوية يجب أن يستمر حتى فترة معينة ويجب أن لا يقل عنها، كما أنه لا يجوز الاستمرار بتناول المضادات بعد انتهاء تلك الفترة، خوفاً من تطوير البكتيريا لمقاومة للمضادات الحيوية، والجدير بالذكر أن العدوى المقاومة للمضادات الحيوية البكتيرية تستغرق وقتاً أطول للعلاج، وتتسبب في بقاء الشخص في المستشفيات لفترة أطول.