دواء جديد يقي من الصمم الذي تسببه المضادات الحيوية

2 مارس , 2015

شاركها

مصدر المقال

المصدر

الرابط المختصر لهذا المقال

https://www.nok6a.net/?p=15401

في عشية عيد الميلاد من عام 2002، تم تشخيص (بريس فابر) البالغ سنتين من العمر، بنوع نادر وقاتل من السرطان يسمى بورم الخلايا البدائية العصبية (Neuroblastoma)، وبالإضافة إلى إجراء عملية جراحية للطفل، تم علاجه بكميات كبيرة جداً من العلاج الاشعاعي وكميات أكبر من المضادات الحيوية، وعلى الرغم من أن هذه الإجراءات أنقذت حياته، إلا أن الجرعات الكبيرة من المضادات الحيوية التي عملت على درء العدوى عن جسم الطفل ضعيف المناعة، تسببت بآثار جانبية دائمة وخطيرة تمثلت بجعله أصماً بنسبة 90 %.

إن المضادات الحيوية الأكثر استخداماً لعلاج الالتهابات هي من زمرة (الأمينوغليكوزيد)،وعلى الرغم من أن هذه العلاج غالباً ما يكون استعماله ضرورياً لإنقاذ حياة الأشخاص، إلا أن  20% إلى 60% من المرضى الذين يتلقون هذه المضادات الحيوية يعانون من فقدان جزئي أو كلي بالسمع، ومن آثار جانبية أخرى تتمثل بتلف الكبد، ومنذ 20 عاماً وحتى الآن، وعلى الرغم من صدور مضادات حيوية بديلة أكثر حداثة، إلا أن (الأمينوغليكوزيد) مازال الدعامة الأساسية لعلاج الكثير من الأمراض البكتيرية في جميع أنحاء العالم، بما في ذلك الالتهاب الرئوي والتهاب الصفاق (التهاب في الغشاء الموجود في المنطقة الداخلية للبطن ) والإنتان، كما أن (الأمينوغليكوزيد) غالباً ما يستخدم عندما تفشل المضادات الحيوية الأخرى في علاج الالتهابات غير معروفة المصدر، وإن شعبية هذا الدواء في ازدياد نتيجة لانخفاض تكلفته، وعدم حاجته للتبريد، وفعاليته في علاج الالتهابات البكتيرية، وفي كثير من الأحيان يتم استخدامه في وحدات العناية المركزة للأطفال حديثي الولادة لمحاربة الالتهابات التي تشكّل خطراً يهدد حياة الأطفال الرضع، ولا يوجد حالياً أية احصائية رسمية تبين عدد الأطفال الذين يعانون من فقدان السمع كأثر جانبي لهذا الدواء .

حالياً؛ قام باحثون من كلية الطب بجامعة ستانفورد بتقديم تقرير تم نشره في النسخة الالكترونية من مجلة (Clinical Investigation) بتاريخ 2-1-2015، يشيرون فيه بأنهم قاموا بتطوير نسخة معدّلة من أدوية (أمينوغليكوزيد)، استطاعت أن تعمل بشكل فعّال على الفئران، بدون أن تتسبب بالصمم أو بتلف الكلى، ويأمل الباحثون أن يختبروا هذا الإصدار الجديد المعدّل من المضادات الحيوية على البشر في أقرب وقت ممكن.

يشير (انتوني ريتشي) أستاذ طب الأذن والأنف والحنجرة وجراحة الرأس والرقبة وأحد مؤلفي الدراسة، بأنه في حال استطاع الدواء الجديد المعدّل منع إصابة الأشخاص بالصمم نتيجة لتناول المضادات الحيوية، فسوف يكون الدواء ناجحاً، وأضاف بأن الهدف من تصنيع هذا الدواء هو استبدال (الأمينوغليكوزيد) التقليدي بالنسخة المعدّلة غير السامّة منه.

استغرق انتاج 5 غرامات من هذا المضاد الحيوي الجديد مدة أربع سنوات من البحث، حيث تمت تسميته باسم (N1MS)، تبعاً لاستخدام السيزوميسين (وهو مضاد حيوي من زمرة أمينوغليكوزيد الأمينية) ضمن تركيبه، وأشارت نتائج الدراسة بأن (N1MS) استطاع علاج التهاب المسالك البولية لدى الفئران بدون أن يسبب استخدامه الصمم.

تم إجراء الدراسة من قبل (ريتشي) و (آلان تشنغ) الأستاذ المساعد بطب الأذن والأنف والحنجرة وجراحة الرأس والرقبة، بناء على دراسة سابقة في علوم الفيزياء الحيوية الأساسية للبروفيسور (ريتشي) والتي تبحث في كيفية عمل الأذن الداخلية في عملية السمع، حيث بدأ الباحثون بمشروعهم منذ عام 2007 لتطبيق الفكرة التي نشأت من هذا البحث البسيط، لتطوير إصدارات جديدة ومحسّنة من المضادات الحيوية.

البحث السابق الذي قام به (ريتشي) يبيّن أن موجات الصوت تعمل على فتح قنوات أيونية داخل الخلايا الشعرية الحسيّة في الأذن الداخلية، مما يسمح بتحويل الموجات الصوتية إلى إشارات كهربائية والتي تصل في نهاية المطاف إلى الدماغ، وإن (الأمينوغليكوزيد) يسبب الصمم عن طريق قتل هذه الخلايا الشعرية الحسيّة الغير قابلة للتجديد، لذا بدأ البحث لمحاولة إيجاد جزيئات دوائية غير قادرة على الدخول إلى قنوات الخلايا، وبالتالي غير قادرة على إيذاء الخلايا الشعرية الحسيّة.

يشير أغلب الأطباء بأنه على الرغم من معرفتهم للآثار السيئة التي يمكن أن يسببها عقار (الأمينوغليكوزيد) خاصة على السمع، إلا أنه كان يتم التعامل مع هذه الآثار الجانبية كشر لابد منه، ولعقود من الزمن، حاول الباحثون إيجاد طرق لمنع (الأمينوغليكوزيد) من قتل خلايا السمع في الأذن الداخلية، إلا أن محاولاتهم باءت جميعها بالفشل، كون المشكلة الرئيسية تكمن أنه في حال تم تصميم الدواء ليتوقف عن قتل الخلايا الشعرية الحسية، فهذا سيؤدي إلى فقدانه لتأثيره المضاد للجراثيم، مما يجعله غير نافعاً كمضاد حيوي، لذا كانت الفكرة الرئيسية لـ (ريتشي) وباقي فريق البحث، هي الحفاظ على الخصائص المضادة للجراثيم في العقار الجديد، ومنعه أساساً من الدخول إلى القنوات الأيونية لخلايا الأذن الداخلية، حتى لا يعمل على تخريبها، وكانت مقاربة صنع الدواء هي القيام باستهداف جزيئات الداوء بحيث تنخفض سميّة هذا العقار على الأذن مع الحفاظ على عمل العقار كمضاد للجراثيم.

قام الباحثون بصناعة تسعة مركّبات مختلفة مشتقة من السيزوميسين، جميع المركّبات كانت أقل سميّة من السيزوميسين ذاته على الخلايا الشعرية الحسية في الأذن، وثلاث منها كان تأثيرها المضاد للبكتيريا مماثلاً للسيزوميسين، ومن بين هذه المركبات الثلاثة كان مركب (N1MS) الأكثر فعالية ضد البكتيريا، حيث استخدمه الباحثون لعلاج البكتيريا القولونية التي تسبب التهاب المثانة لدى الفئران بدون أن يؤثر على الخلايا الشعرية الحسية في الأذن الداخلية،كما وجد الباحثون أن (N1MS)، على خلاف المركب الأصلي (السيزوميسين)، كان غير سامّاً على الكلى.

أخيراً، تقول (داريا موكلي روزين) مديرة برنامج (SPARK)، وهو برنامج في جامعة ستانفورد يساعد العلماء على نقل اكتشافاتهم من الفكرة إلى التطبيق، بأن برنامج (SPARK) عمل على دعم مشروع (ريتشي) و (تشنغ)، عن طريق توفير التمويل والخبرة اللازمة لمشروع تطوير العقار الجديد، وإن كون البروفيسور (ريتشي) هو خبير بالأذن الداخلية، أعطى المشروع ميّزة كبيرة ساعدته على تصميم الدواء بشكل أفضل، وهذا المشروع يمكن أن يحدث فرقاً كبيراً على صحة الإنسان بشكل عام.