ثورةٌ قادمةٌ في عالم إعادة تدوير النفايات

20 أبريل , 2018

شاركها

مصدر المقال

المصدر

الرابط المختصر لهذا المقال

https://www.nok6a.net/?p=23593

في كلّ دقيقةٍ تمرّ على هذا العالم، يتمّ استعمال ملايين العبوات البلاستيكيّة في أغراض مختلفة، ولكنّ القليل منها فقط يخضع لعمليّة إعادة تدوير ، فيما يكون مصير معظمها الإتلاف.

سبب ذلك يعود بالدرجة الأولى إلى نوعية المادة المستعملة في صناعة تلك العبوات، فإذا كانت مصنوعةً من مواد يسهل تحطيمها إلى قطعٍ صغيرةٍ، تصبح إعادة تدويرها ممكنة، أمّا إذا كانت مصنوعةً من مواد صعبة التحطم، كالبولي إيثيلين polyethylene terephthalate (PET)، فإن عملية إعادة تحويلها إلى مادةٍ متينةٍ بما يكفي لإعادة استعمالها، تصبح معقّدةً وصعبةً جدًا.

د.جون ماكجيان من جامعة بورتسموث البريطانيّة، استطاع مؤخرًا مع مجموعةٍ من زملائه، اكتشاف إنزيمٍ بكتيريٍ يدعى PETASE، بإمكانه تحطيم البلاستيك وسحقه بشكلٍ أسرع وأفضل من الطرق الطبيعيّة المستخدمة، وقد تمّ نشر اكتشافهم في وقائع الأكاديمية الوطنية للعلوم.

يتمّ إفراز إنزيم PETASE بواسطة بكتيريا تدعى Ideonella Sakaiensis 201-F6، وهذا الإنزيم يتحلل بتفاعله مع البولي إيثيلين إلى حمض التيرفثاليك الأحادي(2-hydroxyethyl) terephthalic acid ) (MHET)، ثم يقوم إنزيمٌ ثانٍ بتفتيت MHET إلى حمض التريفثاليك وجلايكول الإثيلين ethylene glycol، ثم تستخدم هذه البكتيريا المواد الكيميائية كمصادر غذائية.

تم اكتشاف هذا التفاعل صدفةً عام 2016، في أحد مصانع إعادة تدوير البولي إيثيلين في مدينة ساكاي اليابانيّة، وقد قدّر مكتشفو هذا الإنزيم أنه تطور عن الإنزيمات البكتيرية المستخدمة في تكسير الكوتين Cutin، وهو بوليمر شمعي يغلف أوراق الشجر، والأمر الذي يثير الدهشة أن مادة البولي إيثيلين لم تُستخدم على نطاقٍ واسعٍ إلا منذ السبعينيات، وهذا يعني أن الإنزيم استطاع تطوير نفسه ليقوم بعمله الجديد في ظرف 50 عامًا فقط.

ومن أجل فهم كيفية عمل هذه الإنزيمات، قارن د.ماكجيان وزملاؤه تسلسل الحمض النووي DNA الخاص بجين PETASE، مع جين أنزيمٍ بكتيريٍّ معروفٍ يدعى Cutinases  بحثًا عن الاختلافات، ثم قاموا بإنتاج نسخٍ جديدةٍ من PETASE بعد تعديل كتل البناء الحمضية الأمينية، لتصبح مشابهةً ل Cutinases، فوجدوا أنّها أصبحت قادرةً على تحطيم البولي إيثيلين بسرعةٍ تزيد بنسبة 20٪ عن الطريقة الطبيعية السابقة، وهي -وإن كانت زيادةً متواضعة- إلّا أنّها جاءت عن طريق الصدفة، ولديها هامشٌ كبيرٌ لمزيد من التحسينات، كما يقول د.ماكجيان.

يُذكر أن فريق د.ماكجيان استفاد في عمله من تقنيّة البلورات البروتينيّة، وهي تقنيةٌ تلتقط صورًا تفصيليةً للجزيء بواسطة تعريض بلوراته لأشعةٍ سينيةٍ قويّة، تولّدها آلةٌ مخصّصةٌ لذلك تدعى آلة Oxfordshire، ثم استخدموا تصاميم الكومبيوتر للنظر في الكيفية التي يرسو بها جزيء البولي إيثيلين مع موقع الإنزيم النشط، ليصلوا إلى تصميم إنزيمٍ عالي الكفاءة، يتميّز بتفاعلٍ أكثر حدةً من الطرق الطبيعيّة.

ورغم أنّ الأمر يبدو مثيرًا للاهتمام، لا يزال هناك الكثير مما ينبغي عمله قبل أن يصبح PETASE إنزيمًا مفيدًا من الناحية التجاريّة، ففي وقتنا الحالي يمكن أن يتسبب ليترٌ من محلول الإنزيم المحسّن في تحطيم بضعة مليغرامات من البلاستيك في اليوم الواحد، وهو مقدارٌ ينبغي تحسينه مئة مرةٍ على الأقل ليكون مفيدًا تجاريًا، وهو ما يأمل الفريق القيام به -ولو جزئيًا- عن طريق إجراء المزيد من التحسينات على الإنزيم، من خلال تصميمه للعمل في درجات حرارةٍ تتخطّى 70 درجة مئوية، حيث يصبح البولي إيثيلين مطاطيًا ويسهل هضمه، وهنا يمكنهم الاستفادة من البكتيريا التي تعيش في الينابيع الساخنة، والتي تفرز إنزيم Cutinases الذي يعمل في درجات الحرارة العالية، كما يجب أن يتم زرع الجين الخاص بالإنزيم، في البكتيريا التي تستطيع النمو بسهولةٍ في النطاقات الصناعية.

إن أمكن التغلب على هذه العقبات فعلًا، فقد يؤدي اكتشاف إنزيم PETASE إلى إحداث ثورةٍ حقيقيّةٍ في عالم إعادة تدوير النفايات البلاستيكية.